شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات حول مسألة الاختيار

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الله -سبحانه وتعالى- يخلق ما يشاء ويختار، قال -تعالى-: ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) (القصص:68) ، وقال -تعالى-: ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا ) (الإسراء:21) .

وهذا الاختيار والتفضيل من أدلة وحدانيته -سبحانه وتعالى-، ومن دلائل ربوبيته واستحقاقه وحده -عز وجل- أن يُعبد ويشكر، فهو -سبحانه وتعالى- لم يسوِّ بين عباده؛ لأنه يُحب أن يشكر، كما في الحديث: ( وَرَفَعَ عَلَيْهِمْ آدَمَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ، وَحَسَنَ الصُّورَةِ، وَدُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ: رَبِّ لَوْلا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُشْكَرَ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) .

فالله -عز وجل- فاوت بين الناس، ولابد أن يُراعى هذا التفاوت، ولابد أن يُنتفع بما فضـَّل الله -سبحانه وتعالى- به العباد بعضهم على بعض، ومن لم ينتبه لهذه المسألة في أمر التربية والتوجيه والإعداد للأمة -ولو حتى في الأمور الدنيوية- ورام أن يكون الكل متساويًا؛ فقد أخطأ الطريق، ولم يعرف سنة الله -عز وجل- في خلقه.

اصطفاء من يصلح لقيادة الأمة:

والله -عز وجل- قد اصطفى الأنبياء، وأمرهم بأن يصطفوا لأقوامهم مَن يصلح لقيادة أمتهم، وهذه قضية عظيمة الأهمية في التربية والتوجيه، فإنه لا يستوي أبناء الرجل الواحد، ولا يستوي أهل المحلة الواحدة، ولا أهل الوطن الواحد، وإنما يكون الاختيار بناءً على الخيرية، فالخيِّر مَن سبق إلى الله -سبحانه وتعالى- بطاعته، فهو السابق في الدنيا والآخرة، وهذا الذي ينبغي أن يُقدَّم، فالله هو المقدم والمؤخر؛ فمَن قدمه الله -عز وجل- إلى طاعته؛ فهو المقدَّم، ومن أخره؛ فهو المؤخر، والمبادرة إلى الخيرات سبب الفوز عند الله -تعالى-.

فمَن تقدم في العلم أو العبادة أو العمل الصالح أو خدمة المسلمين؛ فهذا الذي ينبغي أن يُنتقى، فلا يؤخذ أي شخص ويوضع في أي مهمة أو أي وظيفة، فإن من أعظم أسباب فساد الأمم أن تسند الأمور إلى غير أهلها، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن سأله: "متى الساعة؟"، فقال: ( إِذَا ضُيِّعَتْ الأَمَانَةُ؛ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ )، قَالَ: "كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟"، قَالَ: ( إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ؛ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ ) (رواه البخاري) .

وعندما يكون هناك اختيار لولايات أو أمانات أو مهمات أو مسئوليات؛ فلابد من النظر إلى من يوكَّل أمر الاختيار، وما هي الصفات التي يختار بناءً عليها، فإذا اختل هذان الأمران؛ حصل أنواع الفساد.

إلى من يوكَّل الاختيار؟

لابد أن يُنظر إلى من يوكَّل الاختيار، ولذا تجد أمم العالم تضطرب يمينًا وشمالاً في الجهالات؛ لأنها تقدِّم إلى قيادتها من ينزلها دار البوار كما قال -تعالى- عن فرعون: ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) (هود:98) ، وقال -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ) (إبراهيم:28-29) ، أحلوا قومهم دار البوار حين تركوا طاعة الرسل، واتبعوا هؤلاء المجرمين الذين يصدون عن سبيل الله، وقال -تعالى-: ( قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا ) (نوح:21) ، فحين يوكل أمر الاختيار إلى الجهلاء -فضلاً عن أن يوكل إلى الكفرة والمنافقين-؛ يكون ذلك من أعظم الفساد.

لقد كان اختيار طالوت ملكًا عن طريق نبي بني إسرائيل -عليه السلام-، قال الله -تعالى-: ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة:246-247) .

وهكذا -أيضًا- صنع موسى -عليه السلام-؛ فقد أمره الله -عز وجل- أن يجتبي اثني عشر قائدًا من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر، فبعث من قومه اثني عشر نقيبًا، وكذلك قال الله في شأن اختيار سبعين رجلا لميقاته ( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا ) (الأعراف:155) .

وهكذا كان الحال في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

فهذا هو الواجب: أن يكون الأنبياء وورثة الأنبياء بعدهم من العلماء الربانيِّين هم الذين يختارون مَن يصلح لقيادة الأمة.

ونظام الأمانات والولايات في النظام الإسلامي يختلف عنه في النظام الديمقراطي المستورد من الغرب؛ فهو لا يعتمد في الاختيار على الدهماء والعامة، وإنما يُبنى على أن يكون هناك طائفة من أهل الحل والعقد عندهم من العلم والعقل والرزانة والحكمة والطاعة لله -سبحانه وتعالى- ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- والعدالة والعمل بالكتاب والسنة، فيوكل إليهم أمر الاختيار، ولابد أن يختاروا بناءً على موازين الشرع.

مقياس الاختيار :

ولا بد -أيضًا- أن يُعلم ما هو مقياس الاختيار، فحين يُجهل مقياس الاختيار فيُختار مَن هو أكثر مالاً وولدًا، ومَن هو أعظم جاهًا ومنزلة، ومَن يستطيع أن يخدع الناس أكثر بكثرة ما ينفقه من المال وبحسب ما عنده من الزينة التي يجذب لها الأبصار؛ فإن هذا هو علامة شؤم وشر لهذه الطائفة من البشر.

لما اختار موسى -عليه السلام- سبعين رجلاً لميقات ربه -عز وجل- ، اختار الأفضل فالأفضل حسب طاعة الله -سبحانه وتعالى-، وحسب الأهلية المناسبة للوظيفة التي يُختارون إليها في قيادة الأمة، وقد ذكر ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا ): الخيِّر فالخيِّر".

الصفحة التالية