شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات حول مسألة الاختيار

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

ولما قال نبي بني إسرائيل -عليه السلام- لهم: ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا )؛ قالوا: ( أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا ) (البقرة:247) ، فكان فيهم أمر التنافس على الرياسة، وعموا عن الصفات المؤهلة للقيادة الصحيحة، وأخذوا يبحثون عن أغراض نفوسهم رغم أنهم يزعمون أنهم يريدون القتال في سبيل الله، ولاسترداد ما ضاع مما أعطاهم الله -سبحانه وتعالى- من الأرض، وإنقاذ أسراهم من يد عدوهم، ومع ذلك كان التنافس على السلطة والولاية والملك من أعظم أسباب بعدهم عن الاختيار الصحيح.

ولذا نقول: قضية التنافس على الولايات مستوردة من الجهال ممن لا يعرفون حقيقة الاجتباء والاصطفاء، ولا يعرفون الموازين الصحيحة.

ثم كان الميزان عندهم أنه ليس عنده سعة من المال، فقالوا: ( وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ )، هكذا يزنون الأمور، فمن معه مال أكثر -أي: من رجال الأعمال باصطلاحنا المعاصر- يكون هو المقدَّم، ويجب أن يكون له الملك -والعياذ بالله-، أما العلم والقوة والصلاحية للوظيفة فلا يفكرون في ذلك!

وقد قال لهم نبيهم في الجواب عن ذلك: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ )، فبسطة العلم والجسم في أمر القتال تعطي الإنسان الشجاعة والجرأة والإقدام وقوة اتخاذ القرار، فلم يكن هيابًا في المواقف العظيمة، ولذا اقتحم المعركة بعدد جنود لا يزيدون على ثلاثمائة وبضعة عشر في مواجهة مَن لا طاقة لهم بهم في الموازين الإنسانية الأرضية، قالوا: ( لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ) (البقرة:249) ، لكنه كان يعرف أن عنده من الجنود مَن فيه صفة الإقدام والعزيمة والشجاعة مثل داود -عليه السلام- ما يجعله على صغر سنه يستطيع قتل جالوت، وأن يُهزم القوم وهم بالآلاف المؤلفة.

هذا في القتال، فإذا كانت هناك ولاية مالية -على سبيل المثال- فلابد أن تكون هناك أمانة، وإذا كانت ولاية قضاء لابد أن يكون هناك علم بطرق الفصل الشرعية ولابد أن يكون هناك معرفة بأحكام الله، وهكذا في أمر الحرب لابد أن يكون عنده خبرة بذلك.

فحين يُعدم الإنسان من كل هذا أيصلح أن يجتبى وأن يختار؟ نسأل الله العافية.

وحين لا يُعرض على الأمة إلا من فقد جميع صفات التأهل؛ لا يصح أن يختار الناس ما بين سيء وسيء، وإنما نفوض الأمر لله -عز وجل-، ويحتاج الأمر إلى إعداد طويل حتى يمكن أن يوجد من يصلح للاجتباء والاختيار، ولابد أن يوجد من يكون أهلاً أن يَخْتار، ولابد أن يكون مًن يختار وينتقي فيه صفات العلم والعدل والأمانة والقوة على أداء الوظيفة، لا أن يُختار مَن عنده مال، ولا أن يُختار مجرد مَن يتوسط لخدمة الناس مثلاً.

من شروط الاختيار: العلم بالوحي المنزَّل

قال نبي بني إسرائيل -عليه السلام- عن طالوت: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ) (البقرة:247) ، فالله -عز وجل- يصطفي من شاء بطاعته -سبحانه وتعالى- كما قال -عز وجل-: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (فاطر:32) .

فالذين اصطفاهم الله هم الذين أورثهم الكتاب، فلا يُتصور أن يكون إنسانًا قد اصطـُفي واجتـُبي واختِير ولا يعلم شيئًا عن الكتاب ولا عن الوحي المنزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أنى له أن يحكم؟! ومن أين له أن يدري الحق من الباطل، والسنة من البدعة، والهدى من الضلال، بل الإيمان من الكفر إن لم يكن عنده الكتاب؟! ولا يلزم أن يكون حافظًا له، لكن لا بد أن يكون عالمًا به.

ولم يقل -سبحانه وتعالى- أنه جعلهم يحفظون الكتاب عن ظهر قلب، إنما ورثوا الكتاب، والصحابة -رضي الله عنهم- لم يجمع القرآن منهم إلا أربعة -وقد كان القرآن مكتوبًا كله حال نزوله-، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "مَاتَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَمْ يَجْمَعْ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ"، قَالَ: "وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ" (رواه البخاري) .

والصحابة -رضي الله عنهم- كان عندهم العلم بموازين التقديم والتأخير والاصطفاء والاجتباء ما جعلهم يقدِّمون أبا بكر -رضي الله عنه-، وما إن قدمه عمر -رضي الله عنه- حتى اجتمعت الكلمة؛ لأنه عنده علم من الكتاب يعرف كيف يستدل به؟ وكيف يضعه موضعه؟، وعلمه بالكتاب يجعله يوافق السنة في أصولها، فيعرف الحق وإن لم يكن عنده نص فيه.

فإنه لما ارتد مَن ارتد من العرب ومنع مَن منع الزكاة واختلف الصحابة في قتال مانعي الزكاة؛ ناظر عمر -رضي الله عنه- أبا بكر -رضي الله عنه-: "كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ؛ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ )؟"، ولم يكن عند عمر ولا عند أبي بكر -رضي الله عنهما- الرواية الأخرى من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- التي فيها: ( وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ )، ومع ذلك وصل أبو بكر -رضي الله عنه- إلى الحق بعظيم فهمه للدين؛ فقال: "وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ" (متفق عليه) .

فقد استفاده من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي عنده: ( إِلا بِحَقِّهَا ) فقال: "إِلا بِحَقِّهَا"، إذن فلابد من أداء الحق، وهكذا وافق أبو بكر -رضي الله عنه- رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يسمع الرواية التي فيها النص على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهكذا شرح الله صدره للحق، فعلم عمر -رضي الله عنه- أن هذا هو الحق، بهؤلاء الرجال يُعرف الحق عندما تنشرح له صدورهم.

فهم قضية التوحيد ومسألة الاختيار :

الصفحة السابقة الصفحة التالية