شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أيها الرويبضات: ما لكم لا ترجون لله وقارًا

صوت السلف • قضايا معاصرة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أوصى الكاتب الصحفي "سليمان جودة" في مقالة نشرتها "المصري اليوم" القائمين على أمر الطيران المدني ببلادنا بتغيير تلاوة قوله تعالى: ( سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ) الذي يقرأ في بداية رحلات الطيران والذي علمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن نردده عند ركوب وسائل المواصلات، واقترح الكاتب بدلا منها تلاوة قوله تعالى: ( فالله خيرا حافظا وهو أرحم الراحمين )، كما أوصى أيضا بتغيير دعاء السفر المأثور ( اللهم إنا نعوذ بك وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب ) وطالب باستبداله.

ولعلك تعجب كما عجب الكثيرون غيرك: وماذا ينقم الكاتب من هذه الآيات ومن هذا الحديث، وإذا علم السبب بطل العجب كما يقولون، فالرجل قد دله فكره إلى أنه "ليس معقولاً أن يسمع الراكب، بمجرد وصوله إلى المقعد، عبارات من قبيل: ( كآبة المنظر ) و( سوء المنقلب )!.. وقبل ذلك، يكون الراكب نفسه، قد أحس قطعاً بخوف فى داخله، وهو يسمع النداء يقول: وإنا إلى ربنا لمنقلبون!"، ثم زادنا الرجل إيضاحا لمقصوده –وليته ما فعل- فقال: "وما أشد إحساس الراكب ذاته، بالأمن، والطمأنينة، والسكينة، وهو يسمع ( فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين ) ثم ما أشد إحساسه هو نفسه، بالفزع، وهو يسمع ( وإنا إلى ربنا لمنقلبون ).. مع أن هذا قرآن وهذا قرآن!"

وبعد أن صُدم الناس فأنكروا عليه -حتى قراءه- واشتدت عليه ردة فعلهم وراحوا يسفهون رأيه ويعتبون عليه سوء أدبه مع الخالق سبحانه، ظن كثير منهم أنه سيبدي نوعا من التراجع أو يقول مثلا "لقد فهمتم كلامي خارج سياقه" أو نحو هذا من التلبيس الذي اعتدنا مثله من مثله، ولكن يبدو أن الرجل قد أبى إلا استكبارا وإيغالا في الإثم والعدوان، فما كانت مقالته التالية بنفس الجريدة إلا زيادة في الجرم وتأكيدا على هذا الاجتراء وترسيخا لشناعته الأولى، فهو ما زال يرى أن هذا الأثر النبوي "يؤدى إلى تشاؤم الركاب، وخوفهم، وربما فزعهم!"، يقول ذلك في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق الموحى إليه، ثم تناقض مع نفسه وأبان عن مكنون صدره، وبعد أن كان يطالب بتبديل آية مكان أخرى مال في آخر كلامه إلى أن الأمر برمته قد يمس أولياءه بسوء أو يجرح مشاعرهم "النبيلة"، إذ أن "هذه الطائرات يركبها أجانب، ليسوا مصريين، ولا مسلمين، ويركبها مصريون غير مسلمين!"

لن أقول "فاجأنا" جودة حينما كتب مقالته الشنيعة هذه وتلك التي أظهر فيها "ذوقه الرفيع" للمعاني والتراكيب، و"حسه المرهف" نحو الكلمات ومواضعها حتى أدى به ذلك إلى رد آيات قرآنية مباركة واستهجان كلمات نبوية بليغة، ونفي المفاجأة هنا ليس استصغارا لجرمه أو تقليلا من شناعته بل لاعتيادنا في الآونة الأخيرة على مثل هذه النوعية من التوجهات الصادمة عقائديا وسلوكيا وفكريا من أجل حفنة من الأموال أو إحراز منصب من بعد منصب –وإلى الله المشتكى-، كما لا أريد أيضا أن يفهم القارئ الكريم أنني أنتقد مقالا بعينه أو أرد على كاتب محدد، بل هو الألم الذي دفعني لكتابة هذه الكلمات، ألم وغصة نجدها جميعا حينما نلحظ استشراء روح التعالي والاجتراء على دين الله وجعله قرينا "للوصول".

لن أخفي عليك أيها القارئ الكريم حيرتي وأنا أهم بالكتابة في هذا الموضوع، وليست الحيرة بسبب صعوبة الرد ولكن الحيرة حقا تصيبك حينما تسأل نفسك ما الدافع يا ترى من وراء هذا الكلام؟ وكيف تفتق ذهن هذا النابغة عن ذلك الفهم والإدراك؟ وما الذي أهل نفسية هذا الرجل ليتعامل مع القرآن والسنة بأسلوب المتبضع في السوق فينتقي هذه ويلفظ تلك؟ وكيف سولت له نفسه أن يجترأ على الله ورسوله وأن يصدم المسلمين -وهو يرى أنه منهم- بمثل هذا الكلام القبيح وفي الوقت ذاته يبلغ به اللطف مع غير المسلمين مبلغه؟ وما الخلفيات والمعطيات التي تراكمت لدى هذا الكاتب -في مراحل تعليمه ونشأته المجتمعية وتربيته الأسرية- حتى يُخرج لنا قلمه هذا العفن؟ -بالطبع لو أنه قرأ هذا الكلام لعاب عليّ هذه اللفظة بعد ما عاب على القرآن والسنة ولكنها الأليق في تقديري لأفكاره- وما هو التسويل الذي بُذل معه ليقنعه بأنه "كاتب" يُقرأ له ويستقطع الناس من أوقاتهم ليطلعوا على نتاج فكره "الثمين" وخلاصة "عقله" الراجح؟

ورحت أسأل نفسي أسئلة:

أهو سلوك رجل عالماني؟ فأجبت نفسي أن "لا"، فالعالمانيون ينادون بفصل الدين عن الدولة واحترام الدولة المدنية التي ليس في تشريعاتها شيء من نور الوحي، ثم هم لا يتدخل غلاتهم في تفسير الدين ونصوصه –خاصة ما لا يتعارض مع دعوتهم- ويتركون هذا للمضللين من أذنابهم، والمتأنقون منهم ينادون "باحترام" العقائد كلها مع تنحيتها عن حياة المجتمع إلا في دور العبادة والحياة الخاصة، ولكن هذا الرجل تدخل وفسر وحكم واختار واستدرك على الله في كلامه وما أبدى مع رسوله –صلى الله عليه وسلم- أدبا.

أهو ناقد أدبي تعلم على يد أساتذته في "السربون" وتأثر بنظرياتهم في نقد النصوص ولو كانت إلهية كما كان طه حسين مثلا متأثرا بهم؟ لا، لا يبدو عليه أثر ذلك؟

ثم هو ليس بصاحب دعوة ما –وإن باطلة- لتقارعه الحجة بالحجة والدليل بالدليل، وتناقشه مناقشة علمية منهجية، إذ أنها مجرد "خواطر" عفنة –مرة أخرى- لا تستحق أن تكتب ولا أن تناقش ولا أن يرد عليها لولا أنها نشرت وقرأها الملايين، وكأنه يراد لهذه الأمة أن تظل مشغولة دائما تدافع عن نفسها أمام كل من يلقي علينا بحجر -وما أكثرهم- أو يؤذينا بنباحه -وما أحرصهم-.

أهو ممن يكرهون كل شيء إسلامي أو متأثر بالإسلام؟ كاللحية والنقاب ومناظر المصلين وحتى المحجبات حجابا متبرجا؟ ربما، إذ أنه مال في آخر مقاله إلى "حذف" هذه الآيات من قاموس حياتنا التي يشاركنا فيها غيرنا حفاظا على أحاسيسهم، فحقهم يقتضي –على مذهبه- إلغاء الأذان وتكبيرات العيد والشعائر الظاهرة.

الصفحة التالية