شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الشرك بالله من أعظم صور الإفساد في الأرض

علي حاتم • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالإفساد في الأرض لا يحبه الله -عز وجل-، فهو يعود على صاحبه بالخسران في الدنيا والآخرة؛ في الدنيا وذلك بالمصائب التي تحل على المفسدين، وفي الآخرة بما أعده الله -عز وجل- لكل مفسد بالعذاب والخسران.

قال -عز وجل-: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) (الشورى:30) ، وقال أيضًا: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الروم:41) .

وقال -عز وجل-: ( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ . الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) (البقرة:26-27) .

- والشرك بالله من أعظم الفساد في الأرض:

فالدعوة إلى عبادة غير الله، وكذا كل مظهر من مظاهر الشرك بالله -عز وجل- هو أعظم فساد في الأرض، بل إن فساد الأرض في الحقيقة كما يقول ابن القيم -رحمه الله- إنما هو بالشرك بالله ومخالفة أمره، فالشرك -"والكلام لابن القيم"- والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هو أعظم فساد في الأرض! ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود المطاع، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله -صلى الله عليه وسلم- ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع ولا طاعة له، كما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخَالِقِ ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني) .

ومِن المعلوم أن معصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعدم طاعته إنما هي معصية لله وعدم طاعة له -عز وجل-، كما قال -عز وجل-: ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (النساء:80) .

يقول ابن القيم -رحمه الله-: " ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض؛ فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو، وغير ذلك.. فسببه مخالفة رسوله -صلى الله عليه وسلم- والدعوة إلى غير الله ورسوله " فتح المجيد بتصرف يسير .

- والمشركون الكافرون بالله الصادون عن سبيله قد توعدهم الله -عز وجل- بالعذاب المضاعف بسب إفسادهم في الأرض كما قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ) (النحل:88) .

- فالله -عز وجل- يذكر في هذه الآية عاقبة المجرمين الذين ارتكبوا جريمتين:

- كفرهم بالله -عز وجل-.

- وصدهم عن سبيله.

فصاروا بذلك مكذبين بآيات الله، دعاة إلى الضلال، فاستحقوا مضاعفة العذاب كما تضاعف جرمهم، وكما أفسدوا في أرض الله.

- والله -عز وجل- قد وصف المشركين بأنهم ناقضون للعهود والمواثيق قاطعون لما أمر الله به أن يوصل، وهذا من أعظم الإفساد في الأرض.

قال -عز وجل-: ( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ . الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) (البقرة:26-27) .

- فأي فساد أعظم من الشرك بالله؟!

فهو نقض للميثاق الذي أخذه الله على عباده وهم في أصلاب آبائهم؛ قال الله -عز وجل-: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) (الأعراف:172-173) .

- كما أن الشرك نقض لميثاق الفطرة، فالعباد قد فطرهم ربهم على التوحيد، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) (متفق عليه) ، وكما قال -عز وجل-: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) (الروم:30) .

- كما أن الشرك نقض للميثاق الثالث الذي جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وهو تجديد للميثاق الأول وتذكير به، قال الله -عز وجل-: ( رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) (النساء:165) ، وقال -عز وجل-: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (النحل:36) .

- والشرك بالله قطع لأعظم ما مر الله به أن يوصل؛ وهو توحيد الله -عز وجل- وإفراده وحده بالعبودية، والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى، قال الله -عز وجل-: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) (النساء:36) ، وقال -عز وجل-: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات:56) .

- كما أن الله -عز وجل- قد بيَّن أن من اتخذ إلهًا غير الله وأعرض عن الحق بعد ما تبين له، ولم يرجع عن ضلالته، فهو من المفسدين في الأرض والله عليم به.

الصفحة التالية