نفسية المستمع
سعيد السواح • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فهذا الكلام أوجهه إلى نفسي أولاً قبل أن أتوجه به إليك كقارئ أو مستمع، فأقول لنفسي: عندما أبدأ في الاستماع إلى محاضرة أو قراءة في كتاب أو قراءة موضوع من الموضوعات، أقول: ما هو الهدف الذي أردت من أجله أن أقرأ هذا الكتاب أو أستمع إلى هذه المحاضرة؟ حيث لابد من الحضور القلبي قبل الحضور البدني، ولابد أن أدقق النظر في النفسية التي أُقدم من خلالها للاطلاع أو الاستماع، فنفسية المستمع أو القارئ على إحدى صور ثلاث:
1- أستمع -أقرأ- للمعرفة: أي: لزيادة في رصيد المعلومات، والمعرفة بمعنى آخر: كثقافة وإلمام بهذا الأمر سواء كان دينيًا أو غيره، ولوجود الرغبة الكافية داخل نفسي ومحبتي لهذه الموضوعات "دينية كانت أو دنيوية".
2- أستمع -أقرأ- بكل جوارحي للجدال والنقد، فهذا يقرأ ويستمع بنفسية يحاول من خلالها إيجاد الثغرات التي سيجادل ويعارض من خلالها؛ لإبطال أو دفع ما يسمع أو يقرأ.
3- أستمع -أقرأ- وقد تهيأت جوارحي للتنفيذ، فأسمع بهذه النفسية؛ لكي أقف على ما هو المطلوب، وقد تهيأت تمامًا للتنفيذ الفوري.
وأنا وأنت أيها القارئ -المستمع- نقرأ -نسمع- وينطبق علينا ما قال الله -تعالى-: ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ . وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ) (محمد:16-17) .
فالكل قد استمع، والكل حضور في مجلس واحد، ويستمعون من معلم واحد! ترى ما هي النفسية التي جاءت بها الطائفة الأولى الذين حرموا الفهم؟!
فالحضور البدني موجود، ولكن الحضور القلبي ما زال معلقًا لم يزل عليه القفل الحاجز والمانع من الاستيعاب والفهم.
الله يعلمنا ويرشدنا، ما هي النفسية التي نستمع -نقرأ- من خلالها: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ . وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ . إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ . وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) (الأنفال:20-24) .
انظر إلى ما بين النداءين.. فالنداء الأول: ينبهنا على وجوب طاعة الله -تعالى- وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- بامتثال أمرهما واجتناب نهيهما، ويحذرنا من التولي والإعراض بعد ما سمعنا ما هو المطلوب، وبعد ما تليت علينا من آيات ربنا، فعرفنا ما وصانا الله به وما أمرنا به وما نهانا عنه، وحذرنا الله -تعالى- أن نتشبه بهؤلاء الذين اكتفوا بأنهم سمعوا سماع إدراك لم يتعد الأذان وقلوبهم مغلقة، ما زال عليها القفل، فلم تدخل المعاني إلى نفوسهم وقلوبهم، فكانت منهم الدعوى الخالية التي لا حقيقة لها، وهؤلاء هم شر الدواب.
ولم يكتف ويقف الوعظ عند ذلك، بل بيَّن الاتجاه الصحيح وما يراد من الاستماع؛ ألا وهو الإجابة، فكان النداء الثاني الذي بيِّن لنا أن الغرض من الاستماع إلى آيات الرحمن: السمع والطاعة، وإجابة الداعي.
- نفسية الجن عندما استمعوا إلى كلام الله -تعالى-، عندما كان يقرؤوه النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاة الصبح: ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا . وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا ) (الجن:1-3) .
لقد تعلمنا من الجن كيف نستمع.. فكان هذا هو معيار الاستماع، هؤلاء الذين صرفهم الله -تعالى- إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ ليستمعوا إلى قراءته وتلاوته التي كان يتلوها في صلاة الصبح، وهذه هي نفسية الباحث عن الحق، والحقيقة فإنه يبحث بكل كيانه وجوارحه؛ ولذا قال الله عنهم: ( وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا ) (الجن:13) .
وإليك هذه الآيات التي تصف لنا كيف تهيؤوا للاستماع فكان حضور القلب قبل استماع الأذن: ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ . قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ . يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (الأحقاف:29-32) ، فانظر إلى هذا الأثر الظاهر على سلوكهم بعد ما سمعوا ووعوا وفهموا المعاني والدلالات.
نفسية من سعى وبحث للوصول إلى الحق: