نفسية المستمع
سعيد السواح • التزكية
( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ . وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ . وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ . فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ) (المائدة:82-85) .
فتراهم عندهم معيار للحق، فإذا وصل إلى مسمعهم آيات الرحمن علموا مباشرة أنه الحق وذلك من خلال الميزان الذي أقاموه في نفوسهم وقلوبهم.
فنقول: ماذا بعد السماع؟!
هل نقف عند الوصول للمفهوم الصحيح وانتهى الأمر، نقول: نحن نتعلم ونستمع ونقرأ؛ لكي نقف عند المدلول الصحيح لكي ننطلق إلى العمل والتنفيذ؛ لأن صحة العمل موقوفة على صحة الفهم.
النفسية التي يستمع بها المؤمن:
( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا . قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا . وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا . وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعً ) (الإسراء:106-109) ، فعمل الظاهر يدل على أن السماع كان صحيحًا.
النفسية التي يستمع بها العقلاء "نفسية أولي الألباب":
( رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ . رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (آل عمرن:193-194) . فهم استمعوا سماع المستجيب لما تدعوه إليه الآيات؛ ولذا ترى علاقة الاستجابة متمثلة في الأعمال الصالحة واللجوء إلى الله -تعالى- بالدعاء وطلب المغفرة، ( فَبَشِّرْ عِبَادِ . الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ ) (الزمر:17-18) ، فهم استمعوا إلى آيات الرحمن وأعقبوا ذلك بالعمل من خلال ما دلت عليه الآيات.
نفسية المنشغل بالمطالب الدنيوية:
( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ . مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) (الأنبياء:1-3) . فهذا المنشغل يستمع سماع إدراك فقد وصل الكلام إلى أذنيه، ولكن انشغال القلب ما ترك له فرصة للتدبر والفكر، فكان الحضور البدني، أما الحضور الروحي فهذا مفقود؛ فالقلب منشغل مغلق غير يقظان.
نفسية المجادل:
( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ) (الأنفال:31) . فهذا المجادل يسمع، ولكن ليست بنفسية المستمع المستجيب الذي يبحث عن الحق، وعن طريق النجاة، ولكن بنفسية الكاره للحق فهو لم يرغب من استماعه الوصول إلى الحق، ولكن قضيته في السعي لإبطال الحق.
نفسية المستكبر:
فهذا المستكبر يستمع، ولكنه ليس بباحث عن الحق، ولكن بنفسية المتعالي عن الحق المتعاظم في نفسه: ( وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (الجاثية:7-8) .
النفسية التي كانت الصحابة -رضي الله عنهم- يستمعون بها:
فلقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- عندما يستمعون إلى كلام ربهم، يستمعون إليه وقد هيئوا تمامًا للاستقبال والتنفيذ الفوري، فكانت الآذان تستمع ثم تنقل هذا المسموع على الفور وفي نفس اللحظة إلى قلوبهم؛ ليترجم ذلك المسموع، ويظهر في صورة التطبيق الفوري بلا تأخير، يتمثلون في ذلك قول الله -تعالى-: ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (الأعراف:204) ، ( إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) (السجدة:15) ، فكانت هذه الآية هي القاعدة التي يتعاملون من خلالها مع آيات ربهم.
وإليك هذه القصة: