شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل تم اختراق العالم الإسلامي بالفعل؟

ياسر عبد التواب • المسلمون حول العالم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهل فقدنا القدرة على استقراء الواقع.. كثيرًا ما أردد هذا السؤال مع نفسي.. جزيئات التاريخ يمكن أن نجمعها لنستفيد منها عبرًا للحاضر والمستقبل.. متغيرات الأحداث يمكن أن نقرأها لننسج منها مستقبلاً.. كيف نتعامل مع المستجدات وكيف نتفاهم مع الآخرين من غير أن نغلب أو نهان؟! لم نفتقر دومًا إلى التخطيط والنظرة المستقبلية؟!

الإجابة كالعادة سهلة.. لكن تطبيقها هو الصعب.. الإجابة يسيرة بأن تكون هناك مراكز بحث ودراسة؛ لتعطي توجيهات ونصائح، بل وأوامر لصناع القرار ناتجة عن تمحيص وبحث ودراسة وشورى، وبينما يخطط الآخرون ينشغل الناس عندنا بضغوط الواقع والتعامل اليومي والمجاملات الشخصية.. فيفلحون وتفجؤنا أفعالهم.

لكن هل خطط الرسول -صلى الله عليه وسلم- لمستقبل الحياة للأمة؟!

أقول: لقد حقق الرسول -صلى الله عليه وسلم- الموازنة الرائعة بين الواقع وأحواله وبين المستقبل وطموحه!

ألم يخطط وهو في مكة منشغلاً بالدعوة ومعانيًا من الاضطهاد لمجتمع المدينة؛ فكانت الهجرة؟!

ألم تكن منه المراسلات والنصائح مع ملوك الأرض وقادتها وهو في المدينة، فأسلم بعضهم وبلغت دعوته للآخرين؟!

ألم يصل إلى أعدائه في كل مرة من مرات المواجهة بينه وبينهم قبل أن يصلوا إليه؟!

فكيف إذن تخاذلنا عن ذلك فكان منا هذا التراخي والتهاون؟!

بين يديّ تقرير أمريكي نشرته مجلة "يو أس نيوز أند ورلد ريبوت" الأمريكية في عددها لأسبوع 18- 25 نيسان/ أبريل 2005، واسم التقرير: "الوصول إلى كامل العالم الإسلامي".

وكما سنقتطف منه سيتضح لنا صورته من أن تلك الإستراتيجية المشار إليها إنما وضعت بغية السيطرة على عالمنا، وليست موضوعة للتعامل معه وتفهمه، يقول التقرير:

البيت الأبيض أقر إستراتيجية سرية جديدة وضع لها عنوان: Muslim World Outreach ، بمعنى الوصول إلى كامل العالم الإسلامي، وهي تنص على أن للولايات المتحدة مصلحة أمن قومي في التأثير على ما يجري ضمن الإسلام نفسه.

ولأن أمريكا "ملوثة إشعاعيًا" في العالم الإسلامي "بمعنى مكروهة يتم تجنبها- المترجم"، كما عبر أحد المسئولين عن الوضع، فإن خطة الوصول لكل العالم الإسلامي تقتضي العمل من خلال أطراف ثالثة، مثل: الدول الإسلامية المعتدلة، والمؤسسات والجماعات الإصلاحية، من أجل الترويج للقيم المشتركة كالديمقراطية وحقوق المرأة والتسامح.

وهنا يشير التقرير إلى محاولة تعديل الصورة البغيضة للأمريكان باعتبارهم قتلة ومحتلي شعوب، وأنهم في سبيل ذلك سيحسنون صورتهم، ليس بإعادة الحقوق لأهلها، وإنما -بمزيد من الغي السادر- سيستعينون بديكور يتزينون به من بعض الأعمال الخدمية للمجتمعات بغية خداع المجتمعات وتضليلها، مستعينين ببعض المخدوعين أو العملاء.

يضيف التقرير: في أربعٍ وعشرين بلدًا على الأقل، قدمت واشنطن الدعم المالي بصمت لعشرات البرامج الإذاعية والتلفزيونية الإسلامية، ولمقررات دراسية في المدارس الإسلامية، ولمراكز أبحاث إسلامية، ولورش عمل سياسية، ولبرامج أخرى تروم الترويج للإسلام المعتدل.

الحكومة الفيدرالية في واشنطن إذن سوف تنفق لترميم المساجد والمحافظة على النسخ القديمة من القرآن، وحتى لبناء المدارس الإسلامية.

وهذا لاحظته أنا كاتب هذه السطور في إحدى سفراتي إلى بعض الدول الإفريقية حيث حدث شرخ بين المسلمين بسبب تلك المساعدات الموجهة لبناء قاعات محاضرات وبعض الخدمات، حيث رفضها بعضهم باعتبارها محاولات تجميلية حتى قالوا: تسرقون من العراق وأفغانستان وتعطوننا!

ويضيف التقرير: عندما وضعوا إستراتيجيتهم للوصول للعالم الإسلامي، أخذ المسئولون الأمريكيون صفحات كاملة من دليل ألعاب الحرب الباردة، خاصة ما يتعلق بأسلوب: "فرق تسد". فقد كان من أعظم نجاحات حقبة الحرب الباردة الطريقة التي ساعدت فيها واشنطن على شق الاشتراكيين المعتدلين عن الشيوعيين المتشددين في الخارج.

أقول: وهذه محاولة أخرى مقصودة حيث يتداولون الآن تقسيم المسلمين إلى دول مارقة، ودول صديقة؛ حتى يتسنى لهم الانفراد بهم، والطريف أنهم أيضًا يطبقون هذا على الحركات الإسلامية وأفلحوا إلى حد بعيد في جعل بعضهم ينظر إلى بعض بالمنظارين المتنافرين.. هذا يرى ذاك على أنه متشدد والآخر يراه متسيبًا.. ولا ندري ما الأيام حبلى به!

يقول التقرير: ويضيف مسئول حسن الاطلاع: الحرب الباردة كانت سهلة، فقد كانت معركة ضد أيديولوجية سياسية ملحدة.

أما هذا ففيه عناصر لاهوتية، وهو ما يتعارض مع جوهر القناعة الأمريكية بأننا لا نتدخل بحرية الدين، فهل لنا الحق أن نؤثر على هذا الجدال "بين المعتدلين والجذريين في الإسلام"؟!

لكن الجواب حتى الآن يبدو بأنه نعم كما تقول "زينو باران" محللة شؤون الإرهاب في مركز نيكسون، وهي من الذين أشرفوا على وضع إستراتيجية الوصول لكامل العالم الإسلامي.

وتصرح زينو باران: "عليك فقط أن تقدم المال وأن تساعد بخلق المساحة السياسية للمسلمين المعتدلين؛ لينظموا صفوفهم ولينشروا وليذيعوا أفكارهم وليترجموا أعمالهم".

أقول: ومن تلك الصور إعطاء الضوء الأخضر لبعض الجماعات لتتحرك سياسيًا، ولكن تحت التحكم -وفق متغيرات درسوها جيدًا- بحيث يصبح الإسلاميون كحالهم في تركيا؛ ربما يصلون إلى الحكم، لكن تحت مرآهم وسمعهم، وسنكمل قراءتنا للتقرير في المقالة اللاحقة.

وأقول قبل انتهائي -حتى لا ييأس بعضنا-: هذا تخطيط بشري أقاموه وفق تصوراتهم ودراستهم، قد يفلحون أحيانًا أو يفشلون، لكنهم لم يتركوا الأمور من تحت تحكمهم.

ويبقى في النهاية علينا أن نجابه كيدهم بعمل نتقي فيه أذاهم، ونتخذ زمام المبادرة في التأثير فيهم كمثل ما يحاولون، وشتان بين فعلهم وفعلنا.

قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) (الأنفال:36) .

عدو عدوي صديقي:

يقول التقرير:

الصفحة التالية