شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل تم اختراق العالم الإسلامي بالفعل؟

ياسر عبد التواب • المسلمون حول العالم

"وأحد الحلول التي يروج لها في هذا السياق هو تقديم دعم أمريكي خفي للإصلاحيين المرتبطين بالصوفية، أحد أفرع الإسلام المتسامحة".

ويضيف التقرير: "وهناك صراعات حادة بين الوهابيين والصوفيين على الصعيد الأيديولوجي لفتت أنظار صناع السياسة الأمريكية بشدة، وبينما لا يستطيع الرسميون الأمريكيون أن يقروا الصوفية علنًا، بسبب فصل الدين عن الدولة في الدستور الأمريكي، فإنهم يدفعون علنًا باتجاه تعزيز العلاقة مع الحركة الصوفية، وهناك بالمقابل مجموعة صوفية في واشنطن نفسها تسعى لتعزيز العلاقة مع الإدارة الأمريكية.

وتقول مديرة هذه المجموعة، واسمها هادية مير أحمدي: "الهدف يجب أن يكون الحفاظ على تلك الأشياء التي تشكل النقيض الأيديولوجي للإسلام الجهادي".

ومن بين البنود المقترحة هنا: استخدام المعونة الأمريكية لترميم المزارات الصوفية في الخارج، والحفاظ عليها وترجمة مخطوطاتها الكلاسيكية التي تعود إلى القرون الوسطى، ودفع الحكومات لتشجيع نهضة صوفية في بلادها.

وقد اجتذبت الفكرة على ما يبدو ملك إحدى الدول الإسلامية الإفريقية، الذي جمع القيادات الصوفية المحلية بصمت، وعرض عليها ملايين الدولارات لاستخدامها في الدعوة ضد الأصولية الجهادية -على ذمة التقرير-.

وهنا التقرير يوغل في العمومية بأن الحركات الإسلامية إما أن تكون متطرفة جهادية أو تكون خانعة صوفية؛ بينما الحق بأن هناك قلة -لا نتهمها بسوء الطوية، لكننا ننصح ونوجه- تغالي في الجهاد فتسيء إلى معناه العظيم، وهناك كثرة تدرك معناه وكيف أنه بديل التغيير ومقاومة الاعتداء وهو ما تمثله الحركات الإسلامية التي تقاوم المحتلين وتقض مضاجع المعتدين.

وهناك بالمناسبة من هم من الصوفية المجاهدة التي قامت بهذا الجهد والجهاد في أماكنها، مثل: مقاومة الجيوش الأوروبية في أفريقيا، ومقاومة الطريقة التيجانية والسنوسية للعدوان الفرنسي في المغرب العربي، ثم مقاومتها للقوات الإيطالية في ليبيا، ولا ننسى دور مشايخ الطريقة النقشبندية في مقاومة القيصرية الروسية في وسط آسيا والقوقاز، ثم وقوفها أمام البلشفية الروسية في قوتها، ومثل جهاد بديع الزمان النورسي في تركيا.

وهناك بعد ذلك الصوفية الخانعة التي يظنونها بديلاً مقبولاً عن الدعوة الإسلامية وهيهات.. إنهم إن أرادوا حقًا التعامل مع العالم الإسلامي فلا يجب دفن الرؤوس في الرمال، بل يجب أن يدركوا مشاكلهم هم، وينظروا بصدق إلى الحل المناسب الذي يكون فيه إحقاق الحق؛ وهو الشيء الوحيد الذي يقبله الناس.. وليس الخداع الذي لا يثمر إلا مزيدًا من النقم عليهم بسبب غضب الناس من محاولة الاستغفال والنظر إليهم باستعلاء.

وهنا نعلق فنقول: نعرف من كثير من الصوفية وجوهًا إيجابية وزهدا ورغبة في الخير، بل لقد رأيت بعيني بعضهم وما هم عليه من الخير والعمل والعناية بالقرآن ما يجعلك تستحيي من تقصيرك في هذا..!

لكن للعجب أن ترى هؤلاء الزهاد يُستخدمون دون أن يشعروا في إيذاء الأمة ونصرة أعدائها، بل يمكنني القول بأنهم: البديل المريح للدين الذي يعجب كثيرًا أعداءنا في الداخل والخارج، فهي من وجهة نظرهم فكرة مستأنسة يشبع فيها الإنسان حاجته إلى التدين، وفي نفس الوقت يكون سلبيًا لا ينكر منكرا ولا يبني أمة.

فلقد رأينا في غلاة الصوفية -حتى المعاصرين منهم- فكرًا فيه ظلمات بعضها فوق بعض، الشرك الصراح، والكذب على نبي الأمة والقصص الخرافي والتعلق بالموتى، والطعن في ثوابت الأمة، والوقيعة في أهل الأثر، والاستهزاء بحملة السنة. فبعض الفرق الصوفية روّجت كثيرًا للبدع والخرافات، ونشرت التواكل بين كثير من المسلمين، وصرفتهم عن العمل الجاد الذي دعا إليه الدين، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها، وهم يبنون جل عبادتهم وتصوراتهم على القبور وأصحابها. وللحق مرة أخرى نقول : كان أوائل الصوفية ملتزمين بالكتاب والسنة، وقافين عند حدود الشرع، مطاردين للبدع والانحرافات في الفكر والسلوك.

وللحق مرة أخرى نقول: لقد دخل على أيدي الصوفية المتبعين للشرع كثير من الناس في الإسلام، وتاب على أيديهم أعداد لا تحصى من العصاة، وخلفوا وراءهم ثروة من المعارف والتجارب الروحية لا ينكرها إلا مكابر؛ غير أن كثيرًا منهم غلوا بعد ذلك ، وانحرفوا عن الطريق السوي، وعرفت عن بعضهم أفكار غير إسلامية، كقولهم: بالحقيقة والشريعة، فمن نظر إلى الخلق بعين الشريعة مقتهم، ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم -بزعمهم-!

وكان لهم كلام في أن الأذواق والمواجيد تعتبر مصدرًا من مصادر الحكم الشرعي.، أي أن الإنسان يرجع في الحكم إلى ذوقه ووجدانه وقلبه..! وكان بعضهم يعيب على المحدثين؛ لأنهم يقولون: حدثنا فلان قال، وحدثنا فلان، ويقول الصوفي: حدثني قلبي عن ربي، أو يقول: إنكم تأخذون علمكم ميتًا عن ميت، ونحن نأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت، أي أنه متصل -بزعمه- بالسماء مباشرة.

مع أنهم هم الذين يعيشون مع الموتى ومشايخ القبور فهذا النوع من الغلو، ومثله الغلو في الناحية التربوية غلوًا يضعف شخصية المريد كقولهم: إن المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله، ومن قال لشيخه: لم؟ لا يفلح. ومن اعترض "انطرد".

هذه الاتجاهات قتلت نفسيات كثيرة من أبناء المسلمين، فسرت فيهم روح جبرية سلبية كاعتقادهم القائل: أقام العباد فيما أراد، دع الملك للمالك، واترك الخلق للخالق، يعني بذلك أن يكون موقفه سلبيًا أمام الانحراف والفساد وأمام الظلم والاستبداد، وهذا أيضًا من الغلو والانحرافات التي ظهرت عند الصوفية. ويشبههم في ذلك أولئك الذين يغالون في قضية نصح الحاكم، ويروجون لتسمية كل منحرف خارج عن الشرع منهم بأنه من ولاة الأمور، ولو ترك دين الله، وبدل الأحكام، وحارب الخير، وصد عن سبيل الله، وهو ما يشجع هؤلاء على دعمهم والترويج لهم؛ بغية تطبيق المقولة التي أوردوها في التقرير "فرق تسد".

الصفحة السابقة الصفحة التالية