شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإمام ابن عبد البر.. محطة سلفية

معتز رضا • من تراجم السلف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

توطئة:

فلا يزال علماء أهل السنة والجماعة في كل عَصر ومِصر متمسكين بكتاب ربهم -تعالى- وسنة نبيهم -صلى الله عليه وسلم-، آمرين باتباع السلف الصالح -رضوان الله عليهم-.

سُئل الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- (توفي عام 150): ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: "مقالات الفلاسفة! عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة" "ذم الكلام وأهله (5/207)" .

وقال الإمام الأوزاعي -رحمه الله- (توفي 157): "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول" "الشريعة ص67" .

وقال -رحمه الله-: "اصبر نفسك على السنة، وقِفْ حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفِك الصالح، فإنه يسعُك ما وسِعهم" "ذم الكلام وأهله، (5/117)" .

ويقول الإمام القاسم بن سلام -رحمه الله- (توفي 224) متعجبًا: "أي شيء يُتبَع بعد كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة؟!" الإيمان (ص19) .

ويقول الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- (توفي 241): "ولا نتعدى الأثر والاتباع؛ فالاتباع لرسول الله ومِن بعدَه لأصحابه.. فعلينا الاتباع لما مضى عليه سلفنا ونقتدي بهم" السنة للخلال (2/402) .

وقال الإمام أبو داود السجستاني -رحمه الله- (توفي 275): "أسأل الله أن يمن علينا وعليكم بلزوم السنة والاقتداء بالسلف الصالح" السنة للخلال (1/263) .

وذكر الإمام أبو بكر الخلال -رحمه الله- (توفي 311) نصيحة شيوخه ببغداد وفيها: "اتقى رجل ربه ونظر لنفسه فأحسن لها الاختيار -إذ كانت أعز النفوس عليه وأولاها منه بذلك- بلزوم الاتباع لصالح سلفه من أهل العلم والدين والورع؛ فاقتدى بفعالهم وجعلهم حجة بينه وبين الله -عز وجل-، وقلدهم من دينه ما تحملوا له من ذلك" السنة (1/226) .

وقال الإمام الآجرِّي -رحمه الله- (توفي 360): "نأمر بحفظ السنن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسنن أصحابه -رضي الله عنهم-، والتابعين لهم بإحسان، وقول أئمة المسلمين مثل: مالك بن أنس والأوزاعي وسفيان الثوري وابن المبارك وأمثالهم، والشافعي وأحمد بن حنبل والقاسم بن سلام، ومن كان على طريقة هؤلاء من العلماء -رضي الله عنهم-، وننبذ مَن سواهم... هكذا أدبنا من مضى من سلفنا" الشريعة ص71 .

وقال -رحمه الله-: "اسلكوا طريق مَن سلف مِن أئمتكم يستقم لكم الأمر الرشيد، وتكونوا على المحجة الواضحة -إن شاء الله تعالى-" (الشريعة ص83) . وغير ذلك الكثير..

ومن العلماء الأجلاء الذين ساروا على درب التمسك بالقرآن والسنة والاقتداء بالسلف الصالح: الإمام ابن عبد البر -رحمه الله-.

ترجمته:

يحدثنا الإمام الذهبي -رحمه الله- عن الإمام ابن عبد البر قائلاً: "هو الإمام العلامة، حافظ المغرب، شيخ الإسلام، أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمَري، الأندلسي، القرطبي، المالكي، صاحب التصانيف الفائقة، مولده في سنة ثمان وستين وثلاثمائة في شهر ربيع الآخر، وقيل: في جُمادى الأولى؛ فاختلفت الروايات في الشهر عنه، وطلبَ العلمَ بعد التسعين وثلاثمائة ، وأدرك الكبار، وطال عمره، وعلا سنده، وتكاثر عليه الطلبة، وجمع وصنف، ووثق وضعف، وسارت بتصانيفه الرُّكبان، وخضع لعلمه علماء الزمان...".

ثم ذكر الذهبي شيوخه ورحلاته في طلب العلم وأشياء أخرى عنه ثم قال عنه: "كان إماما ديِّنًا، ثقة، متقنًا، علامة، متبحرًا، صاحب سنة واتباع".

وقال: "وكان في أصول الديانة على مذهب السلف، لم يدخل في علم الكلام؛ بل قفا آثار مشايخه -رحمهم الله-".

ويقصد الذهبي بكون ابن عبد البر على مذهب السلف في أصول الديانة: أنه كان في الأمور العقدية على ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم-، والتابعون لهم بإحسان، وأتباعهم ومَن شُهد لهم بالإمامة؛ كالأئمة الأربعة وسفيان الثوري والليث بن سعد وابن المبارك والنخعي والبخاري ومسلم، وغيرهم..

ومِن أشهر مصنفات ابن عبد البر -رحمه الله-: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، وجامع بيان العلم وفضله، وله مصنفات أخرى كثيرة..

وتوفي -رحمه الله- في ربيع الآخر سنة 463 وعمره خمسة وتسعين عامًا؛ فرحمه الله رحمة واسعة. " انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 18/153 وما بعدها" .

وقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: إنه "إمام المغرب" "مجموع الفتاوى 5/59" .

وقال عن كتاب التمهيد -وهو شرح ابن عبد البر لموطأ مالك-: "الشرح الذي لم يَشرح أحدٌ مثلَه" "الفتاوى الكبرى 6/613" .

وقال: "وهو أجلّ ما صُنف في فنه" "مجموع الفتاوى 3/263" .

وقال: "وهو أشرف كتاب صُنف في فنه" مجموع الفتاوى (3/220) .

وقال عنه ابن تيمية أيضًا: إنه "من أعلم الناس بالآثار والتمييز بين صحيحها وسقيمها" "درء التعارض 7/157" .

وقال عنه الإمام ابن القيم -رحمه الله-: إنه "إمام أهل السنة في زمانه" "اجتماع الجيوش ص76" .

وقال عنه الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: إنه "إليه المرجع في كلام الله وكلام رسوله وكلام السلف" "مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب ص258" .

وفيما يلي نتعرض لبعض المسائل التي تعرض لها الإمام ابن عبد البر -رحمه الله- وقوله فيها، والذي يدل على شدة تمسكه بالكتاب والسنة، واتباع السلف الصالح -رضوان الله عليهم-.

مصدر تلقي الأمور العقدية عند الإمام ابن عبد البر:

يقرر الإمام ابن عبد البر إن مصدر تلقي الأمور العقدية هو الوحي بقسميه: القرآن والسنة، ونقل اتفاق المسلمين على ذلك؛ يقول -رحمه الله-: "واتفق أهل الإسلام أن الدين تكون معرفته على ثلاثة أقسام: أولها معرفة خاصة الإيمان والإسلام، وذلك معرفة التوحيد والإخلاص ولا يوصل إلى علم ذلك إلا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فهو المؤدي عن الله والمبين لمراده، وبما في القرآن من الأمر بالاعتبار في خلق الله بالدلائل من آثار صنعته في بريته على توحيده وأزليته -سبحانه-، والإقرار والتصديق بكل ما في القرآن وبملائكة الله وكتبه ورسله.. " جامع بيان العلم 2/39 وما بعده" .

منهجه في باب الأسماء والصفات:

الصفحة التالية