شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإمام ابن عبد البر.. محطة سلفية

معتز رضا • من تراجم السلف

يقول -رحمه الله- مبينًا كيفية معرفة أسماء الله وصفاته: "ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله أو صحّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك -كله أو نحوه- يُسَلَّم له ولا يُناظَر فيه" جامع بيان العلم (2/96) .

وقد قال -رحمه الله- ذلك القول السابق بعد أن نقل عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إسحاق بن خويز منداد أنه قال -في شرح قول مالك لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء-: "أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام؛ فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريًّا كان أو غير أشعري، ولا تـُقبَل له شهادة في الإسلام أبدًا ويُهجَر ويؤدَّب على بدعته؛ فإن تمادى عليها استتيب منها".

وقد أورد كلامَ ابنِ عبد البر ابنُ تيمية مستدلاً به في "الفتاوى الكبرى (6/559)، ودرء التعارض (7/158).

وقال ابن عبد البر -رحمه الله-: "لا نسميه ولا نصفه ولا نطلق عليه إلا ما سمى ووصف به نفسه لا شريك له، ولا ندفع ما وصف به نفسه؛ لأنه دفع للقرآن" التمهيد (7/137) .

ويقول أيضًا ابن عبد البر -مبينًا المعنى السابق مع نقله الإجماع على حمل الصفات على الحقيقة مع عدم تكييفها ورده على من اتهم أهل السنة أنهم مُشبهة-: "فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف نفسه به في كتابه أو على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه أو قياس أو تمثيل أو تنظير؛ فإنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يُكيفون شيئًا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرّ بها مُشبه، وهم عند مَن أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة. والحمد لله" التمهيد (7/145) .

ويقول -حاثًا على ترك الجدال المذموم في أسماء الله -تعالى- وصفاته-: "ونهى السلف -رحمهم الله- عن الجدال في الله جل ثناؤه في صفاته وأسمائه، وأما الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر؛ لأنه علم يُحتاج فيه إلى رد الفروع على الأصول للحاجة إلى ذلك وليس الاعتقادات كذلك؛ لأن الله -عز وجل- لا يوصف عند الجماعة أهل السنة إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو أجمعت الأمة عليه، وليس كمثله شيء فيدرك بقياس أو بإمعان نظر، وقد نهينا عن التفكر في الله وأمِرنا بالتفكر في خلقه الدال عليه" جامع بيان العلم (2/92) .

وذكر ابن عبد البر بإسناده عن سحنون بن منصور أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل: ينزل ربنا -تبارك وتعالى- كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا، أليس تقول بهذه الأحاديث، ويرى أهل الجنة ربهم، وبحديث لا تقبحوا الوجوه، وإن الله خلق آدم على صورته، واشتكت النار إلى ربها حتى يضع الله فيها قدمه، وأن موسى -عليه السلام- لطم ملك الموت -صلوات الله عليه-؟ قال أحمد: كل هذا صحيح، وقال إسحاق كل هذا صحيح، ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي.

ثم قال أبو عمر ابن عبد البر: "الذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة وما أشبهها: الإيمان بما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه".

ثم نقل عن سفيان بن عيينة أنه قال: "هذه الأحاديث نرويها ونقر بها كما جاءت، بلا كيف".

ثم نقل عن الوليد بن مسلم أنه قال: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات فقالوا: "أمِرُّوهَا كما جاءت بلا كيف".

ثم ذكر نحو هذا عن يحيى بن معين ووكيع بن الجراح وإسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعر وعباس بن محمد الدوري وأبي عبيد القاسم بن سلام.

ثم قال أبو عمر ابن عبد البر: "الذي أقول: إنه من نظر إلى إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وسعد وعبد الرحمن وسائر المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجًا علم أن الله -عز وجل- لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة ودلائل الرسالة لا من قِبل حركة ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه والتشبيه ونفيه لازمًا ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك مِن عملهم مشهورًا أو من أخلاقهم معروفـًا لاستفاض عنهم ولشُهروا به كما شُهروا بالقرآن والروايات، وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ) (متفق عليه) ، عندهم مثل قول الله -عز وجل-: ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ) (الأعراف:143) ، ومثل قوله: ( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) (الفجر:22) ، كلهم يقول: ينزل ويتجلى ويجيء بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء وكيف يتجلى وكيف ينزل ولا من أين جاء ولا من أين تجلى ولا من أين ينزل؛ لأنه ليس كشيء من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له" "التمهيد (7/147) وما بعدها" ، ونقله ابن تيمية باختصار في مجموع الفتاوى (5/86 - الحموية).

ويرد مرةً أخرى على مَن يتهمون متبعي هذا المنهج بأنهم مُشبهة فيقول: "ومحال أن يكون من قال عن الله ما هو في كتابه منصوصا مشبهًا إذا لم يكيف شيئًا وأقر أنه ليس كمثله شيء" "الاستذكار 2/528" .

ويقول -رحمه الله-: "الله -عز وجل- في السماء على العرش فوق سبع سموات كما قالت الجماعة خلافًا للمعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله -عز وجل- في كل مكان، وليس على العرش. وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل استوى: استولى فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد.

الصفحة السابقة الصفحة التالية