الإمام ابن عبد البر.. محطة سلفية
معتز رضا • من تراجم السلف
وتعليقـًا على قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) (رواه مالك مرسلاً، وصححه الألباني) ، يقول ابن عبد البر: "وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم واتخذوها قبلة ومسجدًا كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها وذلك الشرك الأكبر؛ فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم امتثال طرقهم، وكان -صلى الله عليه وسلم- يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار، وكان يخاف على أمته اتباعهم؛ ألا ترى إلى قوله -صلى الله عليه وسلم- على جهة التعيير والتوبيخ: ( لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ ) (رواه البخاري ومسلم) ؟" التمهيد (5/45) .
وقال -رحمه الله-: "يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء والصالحين مساجد" "التمهيد 1/168" .
خلق الله -تعالى- للخير والشر:
يقول ابن عبد البر -رحمه الله-: "الشر والخير كل من عند الله وهو خالقهما لا شريك له ولا إله غيره" "التمهيد 6/63" .
نقل ابن عبد البر الإجماع على أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية:
يقول ابن عبد البر -رحمه الله-: "أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان" "التمهيد 9/238" .
وقال: "سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر، منهم مالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي وأبو جعفر الطبري، ومن سلك سبيلهم قالوا: الإيمان قول وعمل؛ قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، مع الإخلاص بالنية الصادقة؛ قالوا وكل ما يطاع الله -عز وجل- به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، والإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي" "التمهيد (9/243) ، ونقله عنه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (7/330)".
حكم مرتكب الكبيرة:
قال -رحمه الله-: "فإن مات صاحب الكبيرة فمصيره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه؛ فإن عذبه فبجرمه، وإن عفا عنه فهو أهل العفو وأهل المغفرة، وان تاب قبل الموت وقبل حضوره ومعاينته وندم واعتقد أن لا يعود واستغفر ووجل كان كمن لم يذنب" التمهيد (4/49) .
عدالة الصحابة:
يقول ابن عبد البر: "لا فرق بين أن يُسمي التابعُ الصاحبَ الذي حدّثه أو لا يسميه في وجوب العمل بحديثه؛ لأن الصحابة كلهم عدول مرضيون ثقات أثبات، وهذا أمر مجتمع عليه عند أهل العلم بالحديث" التمهيد (22/47) .
رد ابن عبد البر على من زعم خروج النبي -صلى الله عليه وسلم- من قبره وكلامه له:
قال -رحمه الله-: "ويحك أترى هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ فهل في هؤلاء من سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد الموت وأجابه؟ وقد تنازع الصحابة في أشياء، فهلا سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فأجابهم؟! وهذه ابنته فاطمة تنازع في ميراثه فهلا سألته فأجابها؟!".
قال -رحمه الله- ذلك لمن يظن أنه حين يأتي إلي قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- يخرج من قبره في صورته فيكلمه، وظن هذا من كراماته! مجموع الفتاوى 10/407" .
وفي ذلك كفاية لمعرفة منهج هذا العام الفذ؛ رحمة الله -تعالى- على علمائنا الأطهار الأبرار، ورحمة الله -تعالى- عليك يا ابن عبد البر.
وصلِّ اللهم وسلمْ وبارك على نبينا محمد وصحبه وآل بيته، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع تم الاستفادة منها:
الإيمان، للقاسم بن سلام، ط المكتب الإسلامي، ط2.
اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، ط دار الكتب العلمية، ط1.
الاستذكار، لابن عبد البر، ط دار الكتب العلمية، ط1
التمهيد، لابن عبد البر، ط وزارة الأوقاف – المغرب.
جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، ط دار الكتب العلمية.
درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، دار الكتب العلمية.
ذم الكلام وأهله، لأبي إسماعيل الهروي، ط العلوم والحكم.
سير أعلام النبلاء، للذهبي، ط الرسالة، ط9.
السنة، لأبي بكر الخلال، ط دار الراية.
الشريعة، للآجرّي، ط دار الكتاب العربي، ط1.
عقيدة الإمام ابن عبد البر في التوحيد والإيمان، د سليمان الغصن، ط دار العاصمة، ط1.
الفتاوى الكبرى، لابن تيمية، ط دار المعرفة، ط1.
مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب، ط جامعة الإمام.
مجموع الفتاوى، لابن تيمية، ط ابن قاسم.