شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإمام ابن عبد البر.. محطة سلفية

معتز رضا • من تراجم السلف

ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز؛ إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله -عز وجل- إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله -عز وجل- عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه" "التمهيد (7/129) وما بعدها، باختصار" ، ونقله مختصرًا شيخُ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/86)، (5/193)، (3/220)، (3/263).

وقال -رحمه الله-: "الله -عز وجل- في السماء على العرش من فوق سبع سماوات، وعلمه في كل مكان؛ كما قالت الجماعة أهل السنة أهل الفقه والأثر" "الاستذكار (2/527)" .

وقال: "وأما قوله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث: ( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا.. )، فقد أكثر الناس التنازع فيه والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويصدقون بهذا الحديث ولا يكيفون، والقول في كيفية النزول كالقول في كيفية الاستواء والمجيء، والحجة في ذلك واحدة" "التمهيد 7/143" .

وقال -رحمه الله- مقررًا أن القرآن كلام الله: "والذي عليه جماعة أهل السنة أنه لم يزل بصفاته وأسمائه، ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء، وهو على العرش استوى، والشهادة بأن محمدًا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه حق، وأن البعث بعد الموت للمجازاة بالأعمال والخلود في الآخرة لأهل السعادة بالإيمان والطاعة في الجنة ولأهل الشقاوة بالكفر والجحود في السعير حق، وأن القرآن كلام الله، وما فيه حق من عند الله يجب الإيمان بجميعه واستعمال محكمه" "جامع بيان العلم وفضله 1/10-11" .

قال الإمام ابن عبد البر تعليقـًا على حديث: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق": "وفي الاستعاذة بكلمات الله أبيَن دليل على أن كلام الله منه -تبارك اسمه- وصفة من صفاته، ليس بمخلوق؛ لأنه محال أن يُستعاذ بمخلوق، وعلى هذا جماعة أهل السنة والحمد لله" "التمهيد 24/186" .

وقال: "وفي هذا الحديث دليل على أن كلام الله -عز وجل- غير مخلوق؛ لأنه لا يستعاذ بمخلوق" "التمهيد 24/110" .

وقال: "وفيه دليل على أن كلمات الله غير مخلوقة؛ لأنه لا يستعاذ بمخلوق، والقرآن كلامه -جل جلاله-" "الاستذكار 8/444" .

ابن عبد البر والإجماع على حجية خبر الآحاد في أصول الدين وفروعه:

يقول ابن عبد البر -رحمه الله- بالعمل بخبر الواحد في الأصول والفروع وقبوله -متى صحّ-، وانتصر لهذا القول وكتب فيه كثيرًا؛ وله فيه كتاب مستقل، اسمه: "الشواهد في إثبات خبر الواحد" كما ذكر الذهبي في ترجمته، ونقل الإجماع على ذلك.

قال ابن عبد البر -رحمه الله-: "وأجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار -فيما علمتُ- على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخْه غيرُه مِن أثر أو أجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافـًا" التمهيد (1/2) .

وقال -رحمه الله-: "استعمال خبر الواحد وقبوله وإيجاب العمل به أوضح وأقوى ما نرى من جهة الآثار في قبول خبر الواحد؛ فالقول بأن الواحد لا يجب قبول خبره وإنما يجب قبول خبر الكافة قول ما أعظم ضلال من قال به، والله -عز وجل- يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) (الحجرات:6) ، وقـُرئتْ: ( فتثبتوا )، فلو كان العدل إذا جاء بنبأ يتثبت في خبره ولم ينفذ لاستوى الفاسق والعدل، وهذا خلاف القرآن" "التمهيد (8/370) بتصرف" .

وقال -رحمه الله-: "أهل الفقه والأثر كلهم يدين بخبر الواحدِ العدلِ في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده؛ على ذلك جماعة أهل السنة" "التمهيد 1/8" .

تعريف ابن عبد البر للبدعة وذمه لها وللمبتدِعة وأمره بهجر أهل البدع:

يقول -رحمه الله-: "البدعة في لسان العرب اختراع ما لم يكن وابتداؤه؛ فما كان من ذلك في الدين خلافًا للسنة التي مضى عليها العمل؛ فتلك بدعة لا خير فيها، وواجب ذمها والنهي عنها والأمر باجتنابها وهجران مبتدعها إذا تبين له سوء مذهبه، وما كان من بدعة لا تخالف أصل الشريعة والسنة؛ فتلك نعمت البدعة كما قال عمر؛ لأن أصل ما فعله سنة. وأما ابتداع الأشياء من أعمال الدنيا؛ فهذا لا حرج فيه ولا عيب على فاعله" "الاستذكار (2/67)" .

وتعليقًا على حديث كعب بن مالك -رضي الله عنه- المشهور حول غزوة تبوك والتخلف عنها، وأمرِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهجر مَن تخلفوا حتى أنزل الله توبتهم لصدقهم، يقول ابن عبد البر: "وهذا أصل عند العلماء في مجانبة مَن ابتدعَ، وهجرتِه، وقطع الكلام معه" "التمهيد 4/87" .

موقف ابن عبد البر من أهل الكلام وإخراجه لهم من طبقة العلماء وبيانه مَن هم العلماء:

يقول أبو عمر ابن عبد البر: "أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يُعَدُّون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم" "جامع بيان العلم (2/95)" .

كلام ابن عبد البر من اتخاذ القبور مساجد ومحبة النبي مخالفة بالكفار:

تعليقًا على قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) (متفق عليه) ، يقول ابن عبد البر -رحمه الله-: "في هذا الحديث إباحة الدعاء على أهل الكفر، وتحريم السجود على قبور الأنبياء، وفي معنى هذا أنه لا يحل السجود لغير الله -عز وجل-، ويحتمل الحديث أن لا تـُجعَل قبور الأنبياء قبلة يُصلى إليها، وكل ما أحتمله الحديث في اللسان العربي فممنوع منه؛ لأنه إنما دعا على اليهود محذرًا لأمته -عليه السلام- من أن يفعلوا فعلهم" "التمهيد (6/383)" .

الصفحة السابقة الصفحة التالية