السلفيون وحفظ الأوطان: المنهج والتطبيق
علاء الدين عبد الهادي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) .
هل يحتاج الأمر إلى عناء كبير للتمييز بين مَن يحرص على مصلحة البلاد وأمنها وبين من يريد إشعال نيران الفتن فيها؟!
وهل من الصعوبة بمكان معرفة من يوافق قوله عمله ممن يخرج علينا دومًا بشعارات جوفاء عن المحبة والتسامح؟!
وهل يستوي اليقظ لقضايا الأمة المصيرية الواعي لدوره تجاهها مع من يتعصب -دائمًا- لأجندته المبنية على العصبية الجاهلية البغيضة لإخوانه من أهل الكفر والنفاق؟!
إجابتي -بل إجابات الكثيرين في أغلب الأحيان- ستكون بالنفي؛ إذ الواقع خير شاهد، ولكن المغرضين أصحاب الأقلام المأجورة والمناهج الفاسدة سيكون لهم بالتأكيد رأي آخر.
كم مرة سمعنا فيها وقرأنا اتهامًا مغرضًا للإسلاميين عمومًا "والسلفيين خصوصًا" بأنهم أساتذة التشدد، وأصحاب التطرف، ورعاة الإرهاب؟!
وكم مرة رأينا فيها السلفية تُقرن بالفتن الطائفية، وهي من الفتن براء؟!
السلفية "منهج إصلاح" شامل، وهو منهج وسط بين منهجين، منهج التغيير المسلح الصدامي من جهة ومنهج التغيير السياسي المتلون من جهة أخرى
وكم رماها أعداؤها –عن قلة علم أو سوء نية- بضد ما تدعو إليه من منهج إسلامي صاف عن البدع والأهواء والأفكار المحدثة غربيها وشرقيها؟
ومما رُمي به السلفيون دومًا في خضم هذه المعركة أنهم أناس لا يحبون أوطانهم، بل هم شر على أوطانهم من أعدائها المعلنين بالعداوة، بل زعم المبطلون أنه ما أصاب البلاد من فتن وأمراض اجتماعية إلا جراء انتشار أفكارهم واستفحال خطرهم!
ولك الله إن تركت وحدك في معركة مع هؤلاء في خصومة هم فيها الخصم والحكم، ولك الله حينما لا يكون عدوك عدوًا عاقلاً ولا حكمًا منصفًا.
أما المنصف -وإن خالفك- إذا أراد أن يحكم عليك أو على جماعة بشرية يجمعها إطار منهجي معين؛ فإنه يرجع إلى الأصول العقدية لهذا المنهج أولاً من واقع مراجعه وأصوله، ويرجع -ثانيًا- إلى التطبيق العملي من قبل هذه الجماعة البشرية لهذه الأصول من واقع تاريخهم والأحداث التي مرت بهم، يفعل ذلك بتجرد، ثم يقدم رؤيته وحكمه.
ولكن القوم لم يكونوا صادقين مع أنفسهم -فضلاً عن أن يكونوا كذلك مع غيرهم-؛ فيتبعوا هذا الطريق المنصف، ولم يكونوا عادلين في أحكامهم؛ إذ تحركهم -دومًا- الأهواء، وليس طلب الحق، ولم يتحلوا -كذلك- بالشجاعة العلمية اللازمة؛ ليقارعوا الحجة بالحجة والبيان بالبيان، بل عادتهم التشغيب وعلو الصوت، وإلقاء التهم جزافًا، ثم الهروب من المواجهة، ودأبهم المسكنة الزائفة وبكاء حال الأوطان، والتشبه بلابس ثوب الحكمة، والحكمة له مجافية.
فهيا في هذه العجالة نستعرض منهج السلفيين وأفعالهم في هذا الجانب -الحفاظ على الأوطان-؛ لكي نكون على بصيرة من أمرنا ونخلص الحقائق من الأكاذيب.
أولاً: في الجانب المنهجي:
لو طالعت كتب السلفيين ومراجعهم وأدبياتهم؛ لوجدت كثيرًا من المصطلحات ذات الدلالة بخصوص حديثنا هنا عن أمن الأوطان والحفاظ عليها، ومن ذلك:
1- السلفية منهج إصلاح:
فالسلفية "منهج إصلاح" شامل، وهو منهج وسط بين منهجين، منهج التغيير المسلح الصدامي غير المنضبط بضوابط الشرع في الدماء والأموال ولا العابئ بالمفاسد والمصالح ولا المراعي لموازين القدرة والعجز، ومنهج التغيير السياسي المتلون من جهة أخرى، فبينما سعى الاتجاهان الآخران للسلطة -بالعنف أو بصناديق الانتخابات-؛ لنوال الحكم والسيطرة عليه أو المشاركة فيه؛ لم يسع السلفيون للحكم بأنفسهم ولا دعوا إلى أنفسهم وأعلامهم، بل يدعون -دائمًا- إلى أن يكون الحكم لله، وأن يُحكموا هم بشرعه، وليس أن يتولوا هم هذا الحكم بالضرورة.
وهذا التغيير المنشود ليس مبهمًا ولا ضبابيًا، بل هو تغيير منصب -أساسًا- على البشر، وموجه إلى عامة الناس، قوامه الحرص على إيجاد الفرد المسلم الذي حسن إسلامه، وتم بناء شخصيته في تكامل مأخوذ من تكامل الإسلام نفسه؛ تربية متوازنة وعلمًا نافعًا، وعملاً صالحًا، وعقيدة سليمة، وأخلاقا حسنة، وسلوكًا سويًّا، كما بين الرسول -صلى الله عليه وسل ذلك كله في سياق بيانه للدين في حديث جبريل -عليه السلام- عن الإسلام الإيمان والإحسان.
وهو -كذلك- تغيير قائم على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفهم الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان من السلف الصالحين أئمة الدين، دعوة لتغيير لحياة الأفراد ونظام المجتمع وأسلوب الحكم، وليس تغييرًا أجوف من أجل التغيير فحسب، ولا تغييرًا ذا نظرة ضيقة من أجل إسقاط حزمة قوانين ومواد دستورية، أو معارضة لحكم قائم أو خروجًا عليه، ولا لتغيير أوجه واستقدام آخرين، ولا لنصرة حزب سياسي ذي أجندة غير مستمدة من أحكام الشرع الحكيم.
السلفيون لا يستحلون دماء المسلمين ولا المعاهدين من غيرهم، ولا أعراضهم، ولا أموالهم، ويرونها كلها معصومة محرمة بعصمة الشرع وتحريمه لها
2- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
ويرتبط بما سبق من عرض للمنهج السلفي: قضية الاحتساب، أي: إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، وإشاعته قدر الإمكان والوسع والطاقة بين كل من يقدر عليه، نصحًا يقوم به بنفسه أو بغيره متعاونًا معه في ذلك، أو تنبيهًا لغيره من القادرين عليه، وهذه الحسبة لها ضوابط وآداب ينبغي على القائم بها مراعاتها؛ وإلا كان مفسدًا غير مصلح، منفرًا من الحق غير داعٍ إليه، بل ينبغي للمحتسب أن يكون مخلصًا في ذلك حتى تكون دعوته إلى الله وليس إلى نفسه، صابرًا على ما أصابه، كما ينبغي أن يكون أمره بالمعروف معروفًا ونهيه عن المنكر غير منكر كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، والذي يلقبه غير المنصفين بإمام التطرف، ومنظِّر الإرهاب، وكأنهم لم يطالعوا منهج الإمام.