السلفيون وحفظ الأوطان: المنهج والتطبيق
علاء الدين عبد الهادي • المنهج السلفي
وإن كان غير السلفيين يتشدقون بالدعوة إلى "الإيجابية" والحراك المجتمعي من أجل التغيير وغير ذلك من الألفاظ الرنانة، فالسلفيون رأوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطه وضوابطه وإصلاح المجتمع على نور الوحي وضوء الشريعة أفضل فعل إيجابي يقومون به كما أمر الله، من أجل حفظ هذا المجتمع وصيانة هذه الأوطان.
3- مراعاة المفاسد والمصالح:
ويرتبط بما سبق من منهجهم -أيضًا-: مراعاة المفاسد والمصالح، فهم يجتهدون في استجلاب المنافع والمصالح ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ويدفعون المفاسد والمضار عن المسلمين قدر طاقتهم، ويتعبدون لله بتقديم أكبر المصلحتين إن تعارضتا، ودفع أكبر المفسدتين إن أوشك حدوثهما معًا، وذلك في كافة شئونهم من الفعل والترك، والأمر والنهي، والحركة والسكون، والنطق والسكوت، بل لعل هذه الجملة: "مراعاة المصالح والمفاسد" لم توجد أكثر انتشارًا إلا على ألسنة العاملين بمنهاج النبوة؛ السائرين على طريق السلف الصالح.
مع تأكيدهم على أن موازنة المصالح والمفاسد إنما يكون بميزان الشريعة المعصومة فنقدم ونعظم ما قدمه وعظمه الله الحكيم ورسوله الأمين صلى الله عليه وسلم ونؤخر ما أخره الله ورسوله كذلك.
4- أدب الخلاف:
والسلفيون أقروا بوقوع الاختلاف بين الناس في التصورات والرؤى، وما يتبع ذلك من أحكام وتوجهات؛ إذ الاختلاف سنة كونية، فأصلوا له أصولاً شرعية مستمدة من الكتاب والسنة، ونصوا على آداب مأخوذة منهما، وتأسوا في ذلك بسلف الأمة الذين وسعهم ما ينبغي أن يسعنا، والذين أنكروا على أشياء أخرى ينبغي علينا إنكارها هي وأشباهها.
وفرق السلفيون بين خلاف التنوع وخلاف التضاد، وبين الخلاف السائغ الذي لا يصادم كتابًا ولا سنة ولا إجماعًا ولا قياسًا جليًّا وبين الخلاف غير السائغ الذي يعارض النصوص والإجماع، وذكروا الواجب نحو هذا الخلاف في كل حالة من هذه الأحوال.
فاختلاف التنوع يستثمر في تحقيق التكامل في العلوم والأعمال حتى ترتقي الأمة بأبنائها ويصلح المجتمع المسلم.
واختلاف التضاد السائغ يحتمل ويبقى الود والحب والأخوة في الله.
واختلاف التضاد غير السائغ يرد ويحارب بإحقاق الحق وبيانه وإبطال الباطل وإزهاقه، مع التفريق بين المصر على الكفر أو البدعة أو الضلالة فيُبغض ويُحذر منه، وبين المجتهد المخطئ الذي عامة حياته وأعماله في نصرة دين الله واتباع كتابه وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فهذا إن زل في مسألة بخصوصها يرد فيها قوله وتبقى منزلته وتذكر حسناته ويدعى له بالمغفرة.
كذلك دعا السلفيون الناس برفق؛ لتضييق فجوة الخلاف بالالتفاف حول الكتاب والسنة، والاجتماع على كلمة التوحيد، وعرضوا كل هذه القضايا برقي ووضوح لم يوجد مثله عند كثير من "المستنيرين" المزعومين الذين يتهمون السلفية بجمود الفكر وضلال المذهب، وينسبون إليها كل بلية استجلبوها هم علينا، في الوقت الذي يمارسون ضد السلفيين كل ما يستطيعونه مِن: صور الاستهزاء، والحرب، والتضييق ، والملاحقة.
والحاصل: أنه كان لهذا الأدب السامي في الخلاف عامل كبير في تواصل السلفيين مع غيرهم ممن خالفوهم -وإن كنا نطمع بمزيد من التواصل البنَّاء لا سيما مع الإسلاميين-، كذا كان لهذا التواصل كبير الأثر في حفظ الأمن الاجتماعي.
حب السلفيين لأوطانهم وعملهم من أجله إنما هو نابع من دينهم وعقيدتهم؛ فخالفوا بذلك أهل الدعوة إلى القومية والوطنية والتحزبات الطائفية الإقليمية، وغير ذلك من الدعاوى الفارغة
5- قضايا الإيمان والكفر:
كل ما ذكرنا وغيره إنما هو راجع في الأساس لأصل العقيدة عند السلفيين، والتي اشتركوا فيها -بفضل الله- مع عامة المسلمين الموحدين أتباع الحق في مشارق الأرض ومغاربها، والتي انتظمت حولها كل العقائد السلفية الأخرى على ضوء الشريعة -أيضًا-، ونعني بهذه العقيدة: قضايا الإيمان والكفر.
فالسلفيون يثبتون الإسلام لكل من نطق الشهادتين وبرأ من الشرك، ويعتبرونه أخًا لهم وحسابه على الله -تعالى-، ولا يتوقفون في ذلك ولا يمتحنون غيرهم على الإيمان، ولا يكفرون أحدًا بذنب وإن كان مرتكبًا كبيرة ما دام غير مستحل لها، ويرون صحة الصلاة خلف كل بر وفاجر، وصحة الجهاد خلفه إن كان ذا راية غير جاهلية ممن تولى أمور المسلمين ما دام يقودهم بكتاب الله في الجملة، وفسقه -إن كان فاسقًا- فعلى نفسه، ويسألون الله الثبات للبار، ويسألونه الهداية للعاصي، ويترحمون على أموات المسلمين ولو لم يعرفوا شخوصهم ولم يخالطوهم.
والسلفيون لا يستحلون دماء المسلمين ولا المعاهدين من غيرهم، ولا أعراضهم، ولا أموالهم، ويرونها كلها معصومة محرمة بعصمة الشرع وتحريمه لها، ولا يرون تكفير مسلم بلا بينة أوضح من الشمس في وضح النهار، ولا يسارعون فيه، بل لابد لديهم من استيفاء شروط وانتفاء موانع محلها مظانها يفتي بها أهل العلم الأثبات، ويفرِّقون بين كفر العين وكفر النوع؛ فليس كل من وقع في شيء من أفعال الكفر كافرًا، بل لعله جاهل أو متأول؛ فيعذرون الجاهلين بجهلهم الناشئ عن عدم البلاغ، ويجتهدون في تعليمهم، والتحذير من الشرك وأبوابه وذرائعه بالحسنى والكلمة الطيبة.
والأصل في المسلمين -الذين ولدوا على الإسلام أو نطقوا الشهادتين أو أقاموا الصلاة- الإسلام إلا ما طرأ عليهم، والسلفيون يوالون عامة المسلمين ويناصرونهم مهما تباعدت أوطانهم واختلفت لغاتهم؛ يحبونهم لإسلامهم وإن ظلموهم وأخذوا أموالهم، فيكرهون منهم ظلمهم ومعصيتهم وبدعتهم إن وقعوا في شيء من ذلك، ويحبونهم بقدر ما معهم من إيمان وطاعة، ويزوجونهم ويتزوجون منهم، ويأكلون طعامهم ويطعمونهم، ولا يرون لأنفسهم فضلاً على أحد إلا بما سمى الله -تعالى- من التقوى التي في القلوب فلا يطلع عليها إلا هو.
ثانيًا: في الجانب العملي: