أخي الحاج.. ماذا ستفعل بعد حجك؟
عصام حسنين • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
أخي الحاج: "برّ حجك".. هكذا كان السلف -رضي الله عنهم- يدعون لمن رجع من حجه " انظر لطائف المعارف" .
قال ابن رجب -رحمه الله-: "فما دعا الحاج لنفسه، ولا دعا له غيره بأحسن من الدعاء بأن يكون حجه مبرورًا، ولهذا يشرع للحاج إذا فرغ من أعمال حجه، وشرع في التحلل من إحرامه برمي جمرة العقبة يوم النحر أن يقول: "اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا. روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر -رضي الله عنهم- من قولهما" اهـ من "لطائف المعارف، وسنده صحيح عن ابن مسعود -رضي الله عنه- رواه الإمام أحمد موقوفًا عليه" .
أخي الحاج:
ندعو لك بهذا الدعاء رجاء أن تكون من أهل قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ ) (متفق عليه) .
- فكم من الناس لم يبر حجه "وما كان كل من حج قُبِل، ولا كل من صلى وصل".
قيل لابن عمر -رضي الله عنهما-: "ما أكثر الحاج؟ قال: ما أقلهم".
وقال: "الركب كبير، والحاج قليل".
إذا حججتَ بمال أصله سحت فما حججت، ولكن حجت العير
لا يـقـبـل الله إلا كـل صـالحة ما كـل من حج بيت الله مبرور
من حجه مبرور قليل، ولكن قد يوهب المسيء للمحسن.." اهـ من لطائف المعارف .
عن بلال -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له غداة جمع -مزدلفة-: ( يَا بِلاَلُ أَسْكِتِ النَّاسَ -أَوْ: أَنْصِتِ النَّاسَ-، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَطَوَّلَ عَلَيْكُمْ فِي جَمْعِكُمْ هَذَا، فَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ، وَأَعْطَى مُحْسِنَكُمْ مَا سَأَلَ، ادْفَعُوا بِاسْمِ اللَّهِ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
والحج المبرور هو: قال ابن خالويه: المقبول. ومنه: بر حجك. وقيل: الذي لا يخالطه شيء من الإثم -رجحه النووي-، ويشهد له قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ؛ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) (متفق عليه) .
( فَلَمْ يَرْفُثْ ) الرفث: الجماع، ويطلق على التعريض به، وعلى الفحش في القول، والجمهور على أن المراد به في الآية: الجماع، والذي يظهر أن المراد به في الحديث ما هو أعم من ذلك، وإليه نحا القرطبي، وهو المراد بقوله -صلى الله عليه وسلم- في الصيام: ( وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ.. ) (متفق عليه) . ( وَلَمْ يَفْسُقْ ) أي: لم يأتِ بسيئة ولا معصية. اهـ "بتصرف من فتح الباري" .
- وقيل: الذي لا رياء فيه، ويشهد له قوله -صلى الله عليه وسلم- عندما أهل بالحجة: ( اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لاَ رِيَاءَ فِيهَا، وَلاَ سُمْعَةَ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
- وقال القرطبي -رحمه الله-: "الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحج الذي وُفيت أحكامه، ووقع موقعًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، والله أعلم" انظر "فتح الباري" بزيادات وتصرف .
ويشهد لقول القرطبي حديث جابر في تفسير بر الحج: قَالَوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا بِرُّ الْحَجُّ؟ قَالَ: ( إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلامِ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) .
قال ابن حجر -رحمه الله-: "في هذا تفسير المراد بالبر في الحج".
وقال ابن رجب -رحمه الله- بعد هذا الحديث: "فالحج المبرور ما اجتمع فيه فعل أعمال البر مع اجتناب أعمال الإثم" اهـ "لطائف المعارف" .
وقيل: أن يرجع خيرًا مما كان. قاله ابن حجر في الفتح.
قلت: والأشبه أن هذه علامة على القبول والله أعلم.
جزاء الحج المبرور:
1- يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ لحديث أبي هريرة السابق، وحديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: ( الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ) (رواه مسلم) .
وحديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- وفيه: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمن جاءه يسأله عن الحج: ( أمَّا خَرُوجُكَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمُّ البَيْتَ الحَرامَ فإنَّ لَكَ بِكُلِّ وَطْأَةٍ تطَؤُها راحِلَتُكَ يَكْتُبُ اللَّهُ لَكَ بِها حَسَنَةً ويَمْحُو عنكَ بها سَيِّئَةً، وأمّا وُقُوفُكَ بِعَرَفَةَ فإنَّ اللَّهَ -عَزَّ وجَلَّ- يَنْزِلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيُباهِي بِهِم المَلائِكَةَ فَيَقُولُ: هؤُلاءِ عِبادِي جاءُونِي شُعْثاً غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجَ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي ويَخَافُونَ عَذَابِي ولمْ يرَوْني فكَيْفَ لَوْ رَأَوْني، فَلَوْ كانَ عليكَ مثلُ رَمْلِ عالِجٍ أوْ مِثْل أيَّامِ الدُّنْيا أوْ مِثْلُ قَطْرِ السَّماءِ ذُنُوبًا غَسَلَها اللَّهُ عنكَ، وأمَّا رَمْيُكَ الجِمَارَ فإِنهُ مَدْخُورٌ لَكَ، وأَما حَلْقُكَ رَأْسَكَ فإِنَّ لكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَسْقُطُ حَسَنَةً، فإذا طُفْتَ بالبَيْتِ؛ خَرَجْتَ مِنْ ذُنُوبِكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني)
ينبغي للعبد كلما فرغ من عبادة أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومنَّ بها على ربه
قال ابن حجر -رحمه الله-: "رجع كيوم ولدته أمه" أي: بغير ذنب، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات، وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرداس المصرح بذلك، وله شاهد من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- في تفسير الطبري.. وقد وقع في رواية الدارقطني المذكورة: ( رجع كهيئة يوم ولدته أمه ) اهـ من "فتح الباري" بتصرف .
قال ابن رجب -رحمه الله-: "وقد استنبط معنى هذا الحديث من القرآن طائفة من العلماء، وتأولوا قول الله -تعالى-: ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ) (البقرة:203) ، بأن من قضى نسكه، ورجع منه؛ فإن آثامه تسقط عنه إذا اتقى الله -عز وجل- في أداء نسكه، وسواء نفر في اليوم الأول من يومي النفر متعجلاً أو متأخرًا إلى اليوم الثاني" اهـ "لطائف المعارف" .