أخي الحاج.. ماذا ستفعل بعد حجك؟
عصام حسنين • التزكية
2- يوجب دخول الجنة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ )، قال ابن رجب -رحمه الله-: "الحج المبرور يكفر السيئات، ويوجب دخول الجنات" اهـ من "لطائف المعارف" .
قال ابن خزيمة -رحمه الله-: "من عمل من المسلمين بعض تلك الأعمال، ثم سدد وقارب، ومات على إيمانه؛ دخل الجنة" "معارج القبول" .
علامات الحج المبرور:
أن يرجع خيرًا مما كان: سأل أبو هريرة -رضي الله عنه- النبي -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ( إِيمَانٌ بِاللَّهِ ). قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ( الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ). قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ( حَجٌّ مَبْرُورٌ ) (متفق عليه) .
قال ابن حجر -رحمه الله-: "يظهر بآخره، فإن رجع خيرًا مما كان؛ عرف أنه مبرور" اهـ من "فتح الباري" .
قيل للحسن -رحمه الله-: "الحج المبرور جزاؤه الجنة؟ قال: آية ذلك: أن يرجع زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة".
ولكي تحقق ذلك؛ فعليك باستغفار الله كثيرًا ختمًا لهذه العبادة العظيمة كما أمرك الله -تعالى-: ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (البقرة:199) .
قال العلامة السعدي -رحمه الله-: "وهكذا ينبغي للعبد كلما فرغ من عبادة أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومنَّ بها على ربه، وجعلت له محلاً ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت ورد العمل، كما أن الأول حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال آخر" اهـ من التفسير .
وعليك بذكر الله كثيرًا كما أمرك ربك -تعالى- فقال: ( فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ) (البقرة:200) .
قال القاسمي -رحمه الله-: "أي: إذا فرغتم من أعمال الحج ونفرتم ( فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ) أي: فأكثروا ذكر الله، وابذلوا جهدكم في الثناء عليه، وشرح آلائه ونعمائه كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخركم وأيامهم بعد قضاء مناسككم" اهـ من تفسيره .
وكذا قال ابن عباس -رضي الله عنهما- نحوه.. "تفسير ابن كثير" .
وقال ابن كثير -رحمه الله-: "ثم إنه -تعالى- أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه، فقال: ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) أي: من نصيب ولا حظ، وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك.. ومدح الله -تعالى- من يسأله الدنيا والآخرة، فقال: ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (البقرة:201) ؛ فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر. "من التفسير بتصرف" .
فإن كل حسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها؛ فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو نقيض تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام.. وعن أنس -رضي الله عنه-: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (متفق عليه) .
- ومن الدعاء: الدعاء بأن يتقبله الله منك؛ فقد ثبت عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه كان يدعو بعد التحلل الأول: "اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا" (رواه أحمد بسند صحيح) .
وأن يكون قلبك بين الخوف والرجاء، كما قال الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) (المؤمنون:60) ، أي: يؤدون ما عليهم ويخافون ألا يتقبل منهم، كما قالت عَائِشَة -رضي الله عنها-: يَا رَسُولَ اللهِ ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) أَهُوَ الَّذِي يَزْنِي، وَيَسْرِقُ، وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ؟ قَالَ: ( لاَ، يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ -أَوْ: يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ- وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُ، وَيُصَلِّي، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لاَ يُتَقَبَّلَ مِنْهُ ) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه واللفظ له، وحسنه الألباني) .
فالمدار على القبول كما قال الله -تعالى-: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) (المائدة:27) .
قال عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: "لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة؛ لكان فرحي بالموت أشد من فرحي بالحياة؛ لأن الله يقول: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ).
- وعليك بتحقيق مقاصد الحج التي كنت حريصًا على تحقيقها في حجك من إقامة الذكر لله -تعالى- لا لغيره كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وضعفه الألباني، ولكن قال ابن باز والعثيمين: ثابت) ، وكانت تلبيتك هي التلبية بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك..".
بعكس تلبية الجاهلية الشركية: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك".
وكانوا يقيمون الذكر لأصنامهم لا لربهم -تعالى-!