شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"أركون" وسقوط صنم جديد

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قامت العالمانية الغربية على خلفية الطغيان الكنسي الذي ملأ السهل والوادي في أوروبا، إلى الدرجة التي لم يكن ينقصها إلا أن تمنع الكنيسة الناس من التنفس إلا بإذنها!

أعطت الكنيسة الغربية لنفسها حق نسبة كل ما يراه رجالها إلى الوحي عن طريق أكذوبة الإلهام التي اخترعوها، وتمعَّنت الكنيسة في إذلال الحكام؛ وهي التي كانت تتمسك في عصرها الأول بالنص الإنجيلي المنسوب لعيسى -عليه السلام-: "دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"!

وحشرت الكنيسة نفسها في كل شيء حتى تبنت النظريات الفيزيقية، ونسبتها للوحي الإلهامي، ثم لما تجاوز العلم تلك النظريات تفننت الكنيسة في قتل وتعذيب وحرمان كل هؤلاء؛ بتهمة الهرطقة ومخالفة الوحي.

ومع كل هذا تعاونت الكنيسة مع الإقطاع، رغمَ أنها في بداياتها كانت تتمسك بالنص الإنجيلي المنسوب لعيسى -عليه السلام- من أنه: "لن يدخل غني في ملكوت السماوات إلا أن يتخلى عن ثروته"، وعلى خلفية هذا الفساد الكنسي قامت الثورة الفرنسية رافعة شعار: "اخنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسيس"!

لقد كفر كثير من مفكري الغرب بفكرة الدين أو الإله، وعادوا مرة أخرى إلى فكرة أن الإله ما هو إلا إنسان خارق "سوبر مان" وفق الأساطير اليونانية والرومانية القديمة، والتي تمثل المصدر الأصلي للفلسفات العالمانية الحديثة.

ومن رأي منهم ضرورة الحفاظ على وجود الدين لاستعماله في ضبط جنوح الأفراد أو حتى من باب مداراة العامة أخضعوا كتبهم الدينية لعلم التاريخ والاجتماع والسياسية، فضلاً عن إخضاعها لواقع ورغبات الناس، مستندين إلى أن هذه الكتب الدينية ما هي إلا تدوين قوم سابقين لنص إلهي مفقود وفق عاداتهم وواقعهم، بينما فُقد النص الديني الأصلي، مما يعطي كل جيل الحق في إعادة كتابة النص الديني أو إعادة تفسيره تفسيرًا متحررًا كل التحرر من تفسيرات السابقين كحد أدنى.

وقد أطلق العالمانيون على نظام الحكم في أثناء فترة الطغيان الكنسي بالـ"دولة الدينية"، وهي كلمة صارت تصيب المفكر العالماني بحالة تشبه المس أو تفوقه إذا ما سمعها.

ورغم اعترافنا بحجم الظلام الذي فر منه العالمانيون، إلا أن سلوكهم كان كسلوك المستجير من الرمضاء بالنار، وإذا كان سلوك المستجير من الرمضاء بالنار مستقبحًا؛ فأقبح منه من يفر من النعيم إلى النار!

وعلمانيو بلادنا بيْن بائع دينه بحفنة من الدولارات، أو بلقب رنان، أو بتمويل "لدكان" من دكاكين حقوق الإنسان، وبين غرير لم يُسمح له إلا بالاطلاع على الفكر الغربي والتاريخ الغربي، وأن يُلقن بأنه يجب أن يستفيد من تجارب تلك الأمم، وأمثال هؤلاء يدرس لهم في السوربون وغيرها من الجامعات الغربية عصور الاستبداد الكنسي التي يصطلحون على تسميتها بالـ"عصور المظلمة"، ثم يدرسون فلسفات ما يسمونه بـ"عصر التنوير" الذي هو بالمقاييس الشرعية أشد ظلامًا وإظلامًا من سابقه، ثم إذا تشربوا بما يسمى بالمشكلة والحل من وجهة النظر الغربية قيل لهم: إن مشكلات الإنسانية واحدة، وإن المسلمين لا يختلفون عن غيرهم في مشكلاتهم إلا في فرق واحد؛ أن المسلمين من وجهة نظر المستشرقين ما زالوا يعيشون عصور الظلام، ثم يقال لهم: "وأنتم -معشر تلاميذنا- مبعوثو العناية الأوروبية لإخراج الأمة الإسلامية من عصور الظلام إلى عصر التنوير".

ومِن ثمَّ يقرأ هؤلاء تاريخ المسلمين قراءة موجهة محمومة تحاول إيجاد نظائر لكل عناصر قصة أوروبا من عصر الاستبداد الكنسي إلى عصر التنوير، والتي تنتهي بهم إلى أن العصور الذهبية الإسلامية هي عصور ظلامية، وأن الأمة الإسلامية تعيش صراعًا بينهم كممثلين لطلائع التنوير وبين الظلاميين الأصوليين، وهو مصطلح غربي يشمل كل من له أصل يرجع إليه، وبالتالي فعند نقله إلى الواقع الإسلامي يطلقونه على طوائف كثيرة على رأسها السلفية أو الوهابية على حد زعمهم، ويدخل فيها حتى من يُسمون بالوسطيين، والأزهر وغيره ممن لم يركب معهم في قطار الحداثة والتنوير بزعمهم!

هذا هو حال دعاة التنوير لا سيما المعاصرين منهم أمثال: "القمني"، و"نصر أبو زيد"، و"محمد أركون" الذي توفي في يوم 14 سبتمبر 2010م، وأقامت الصحف العالمانية له مأتمًا بغير مأتم، وحاولت إيهام القراء أن من فاته قراءة كتب هذا الرجل حيًا فليدرك نفسه، ويستنير بكتاباته قبل فوات الأوان!

وفي الواقع فإن "أركون" الذي ولد في الجزائر من أسرة فرنسية الهوى ورث عنها الهوى الفرنسي، وزاده تأصيلاً بدراسته في جامعة السوربون، ثم عمله مدرسًا فيها إلى أن جاءه أجله، وهو كذلك يعتبر نموذجًا مثاليًا للعالماني العربي الذي يسقط التجربة الغربية على واقع المسلمين بلا وعي.

وقد لخص الدكتور "محمد الأحمري" أفكاره في مقال له في مجلة العصر بعنوان: "محمد أركون ومعالم أفكاره"، ختمه بخلاصة قال فيها: "يرى أركون أن القرآن والكتب السابقة تعاني من سياق واحد، ويضع القرآن مع الأناجيل في مستوى من الثبوت والدراسة واحد، ويرى أهمية النقد والتجديد. وعمله هذا النقـدي السلبي النافي -الذي يمسخ كل الحقائق وكل المعاني- لا يمكن بحال أن يكون مذهبًا فكريًا بديلاً؛ بحيث يحل محل شيء من الفرق أو الجماعات التي وجدت على الساحة الإسلامية وليس بأسلوب يمكن قبوله من قِبل السنة أو الـشـيـعـة؛ ذلك أنه يلـغي الجميع ويرى العدمية التي يقدمها هي البديل أو التجديد، فالشك والجحود بكل شيء لن يكون أبدًا بديلاً للإيمان؛ إذ هذا العدم لا يكون دينًا ولا يبني خلقًا.

وهو يرى -مع هذا- ضرورة النظام في حياة الناس، ويرى أهمية القوانين، وهذه القوانين عنده تنشئها الضرورة الاجتماعية، لكن أي مجتمع وأية قوانين، أما المجتمع فلا يرى "أركون" أن يكون للإسلام سلطة عليه؛ لذا فليس للإسلام أن يسن أي قانون في ذلك المجتمع؛ إذ ليس للإسلام في نظره أي قانون ولا علاقة بالوجود، وهو قد بذل وعصر كل سمومه وآفات الملحدين في الغرب؛ لينكر المصادر أولاً، ثم لو افترض إثباتها فليس لها حقائق ولا معاني تمس الناس، ثم إذا فهم منها معاني؛ فتلك المعاني جاءت للحاجة والضرورة؛ لأنه لم يكن هناك قوانين في المجتمع.

الصفحة التالية