شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"أركون" وسقوط صنم جديد

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

وقد علق أحدهم على نمط تفكير "أركون" وأسلوب تعامله مع النصوص فقال: إن تجديدية "أركون" هي: تجديدية عدمية، ولا نحسب أن مسلمًا عاقلاً يهتم لقراءة "أركون" النافية، وهذا ملخص لبحث مطول يتناول كتب ومقالات "أركون"، ومع أن أعماله غير معقولة، لكن -ويا لَلأسف!- إن الذي يـتـحكم في سلوك وأفكار العالم الإسلامي اليوم هو "اللامعقول"؛ لهذا يحتاج إلى بيان".

وهذا الذي ذكره الدكتور أحمري عن مساواته القرآن بالإنجيل من حيث الثبوت والدلالة ربما عرَّض به "أركون" فى بعض محاضراته بين المسلمين؛ لعله هروب من التصريح الذي قد يودي بحياته، ولكنه عندما يعود إلى جدره المحصنة -حيث يكتب سمومه في كتبه- يكتب بأريحية تامة، حتى إنه تبنى مشروعًا ليس له معنى إلا أنه يريد أن يعيب القرآن بالعيب الفظيع الذي تعاب به كتب اليهود والنصارى؛ وهو ضياع الأصول واضطرابها وتناقض الموجود منها، وهو يدعي أن لفائف البحر الميت فيها نسخ من القرآن غير التي معنا، مع أن القاصي والداني يعرف أن لفائف البحر الميت هي أصول للتوراة أو للعهد القديم من كتاب النصارى المقدس، وهي تخالف التوراة المعروفة مخالفات جوهرية، مما جعلهم يتكاتمونها ولا يترجمونها.

ثم إنه زاد على ذلك أنه لا بد أيضًا من أن يضم إلى تلك الوثائق المصاحف الموجودة لدى الشيعة والإسماعيلية وغيرهم في خزانات سرية في الهند، ويبدو أن "أركون" الحداثي التنويري قد خجل من أن يعول على المصحف المختفي في السرداب مع الإمام الغائب منذ مئات السنين، فعبَّر عن السرداب بالخزانات السرية، وإلا فإن حتى غلاة الشيعة والباطنية لا يزعمون وجود مصحف آخر إلا في السرداب.

و هكذا يقبل الحداثي بالخرافة المحضة إذا تعلق الأمر بالطعن في الإسلام رغم زعمه أنه مسلم، وهيهات هيهات.

وقد أشار الدكتور "إبراهيم السكران" إلى تشكيك "أركون" في المصحف عن طريق حكاية لفائف البحر الميت وخزانات الهند السرية في مقالة له بعنوان: "مصحف البحر الميت".

وقد اشتهر "أركون" مِن بين أقرانه بقدرته على التعبير الصريح عما يكني عنه غيره من العالمانيين؛ اتقاءً للغضب الشعبي عليهم، وهروبًا من مواجهة فتاوى التكفير.

يقول "أحمد إبراهيم خضر" في مقاله الرائع: "محمد أركون وحصاد الصراع بين الإسلاميين والليبراليين"، ضاربًا المثل لارتماء التنويريين العرب في أحضان رجال اللاهوت النصراني: "والمثال الواضح لذلك هو احتضان "روبير كاسبار" و"كلود جيفرى" لـ"محمد أركون"، و"الأب جيفري" هو أحد أعضاء "مجموعة باريس" التي يرأسها الأب "روبير كاسبار"، وهما من رجال اللاهوت المسيحي. يؤمن "كاسبار" بأهمية الحوار مع الإسلام وفقًا لما يدعيه: "بالاحترام المتبادل"، وأهمية "البحث التاريخي". وتعمل "مجموعة باريس" ضمن جماعة أوسع في البحث الإسلامي - المسيحي. تضم هذه المجموعة "فرانسوا سميث فلورنتان" و"جان لامبير" و"كلود جيفري".

احتضن "كاسبار" المفكر العالماني المعروف "محمد أركون"؛ ليكون عضوًا في "مجموعة باريس" هذه؛ أما أهمية "الأب جيفرى" فتكمن في أنه صديق شخصي "لأركون"، وهذا الأخير يحترم "جيفري" ويبجله كثيرًا، ويتردد عليه ويستمع لآرائه، بل يتوق بشدة إلى معرفة تعليقاته وملاحظاته على أفكاره.

وفي كلمات مليئة بالإعجاب المشوب بالاستجداء يصف "أركونُ" "الأبَ جيفري" فيقول: تركت قلمي يجري على هواه كما أفعل عادة عندما أتحدث بكل حرية مع "الأب كلود جيفري"، وعنده الجواب عن كل شيء، فهو يستحسن كلامك، أو يعدل منه، أو يصححه أو يكمله، ولكنه نادرًا ما يرفضه. أريد أن أوجه إليه أمنية وطلبًا.. أتمنى لو يجد الوقت المناسب للرد على كلامي.

"الأب جيفرى" كما يصفه "أركون" أحد اللاهوتيين القلائل الذين خطوا خطوة هامة نحو تشكيل ما يسميه: بـ"لاهوت الوحي"، لا يستبعد "القرآن"؛ وإنما يدمجه داخل رؤية ديناميكية حية".

وقد بلغ من تأثير القساوسة عليه أن قال في ندوة مستقبل التنوير في الكويت، وأمام جمع من المسلمين: "إن الإنجيل يمثل أقوال ومواقف عيسى -عليه السلام- حتى.."، ثم سكت وقال: "أيصح أن نقول مماته؟"، ثم استطرد في الكلام على ضرورة الاحترام والقبول للآخر مما يعني أنه يقدم عقيدتهم على عقيدته، وتسجيلات هذه الندوة متاحة على الإنترنت.

ومع هذا فقد صدق "محمد أركون" نفسه ذات مرة، وظن أن الغرب يتعامل معه على أنه مفكر كبير له رأيه المستقل عن آرائهم، أو حتى إنسان يتمتع بحقوق الإنسان التي ينادون بها، فكتب عاتبًا على "سلمان رشدي" تجريحه المباشر في شخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن هذا سوف يصد الناس عن أفكاره التنويرية، فقط كان هذا كل ما طالب به "أركون" "سلمان رشدي" أن يبث الطعن في الإسلام والنبوة في صورة البحث العلمي بعيدًا عن الشتائم؛ لأنه أرجى للقبول، فنال من أسياده ما نال!

نترك له الفرصة ليعبر عن ذلك بقلمه قائلاً: "إن مقالة اللوموند كلفتني غاليًا بعد نشرها، وانهالت عليّ أعنف الهجمات بسببها، ولم يفهمني الفرنسيون أبدًا، أو قل الكثيرون منهم، ومِن بينهم بعض زملائي المستعربين على الرغم من أنهم يعرفون جيدًا كتاباتي ومواقفي، لقد أساءوا فهمي ونظروا إليّ شزرًا، ونهضوا جميعًا ضد هذا المسلم الأصولي(!) الذي يسمح لنفسه بأن يعلن أنه أستاذ في السوربون، ويا للفضيحة! لقد تجاوزت حدودي، أو حدود المسموح به بالنسبة لأتباع الدين العالماني المتطرف الذي يدعونه: بالعالماني، ولكني لا أراه كذلك.

وفي الوقت الذي دعوا إلى نبذي وعدم التسامح معي بأي شكل، راحوا يدعون للتسامح مع "سلمان رشدي"! وهذا موقف نفساني شبه مرضي أو رد فعل عنيف تقفه الثقافة الفرنسية في كل مرة تجد نفسها في مواجهة أحد الأصوات المنحرفة لبعض أبناء مستعمراتها السابقة؛ إنها لا تحتمله، بل تتهمه بالعقوق ونكران الجميل.. فنلاحظ أن اكتساب الأجنبي للجنسية الفرنسية في فرنسا الجمهورية والعالمانية يلقي على كاهل المتجنس الجديد بواجبات ومسؤوليات ثقيلة، فالفرنسي ذو الأصل الأجنبي مطالب دائمًا بتقديم أمارات الولاء والطاعة والعرفان بالجميل، باختصار: إنه مشبوه باستمرار، وبخاصة إذا كان من أصل مسلم".

هذه هي الحقيقة المرة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية