"أركون" وسقوط صنم جديد
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
علمانيو الغرب.. عبيد الدرهم والدينار والبطن والفرج.
وأما رؤوس العالمانية.. في بلادنا فهم عبيد العبيد.
وأما أفراخ العالمانية.. فهم عبيد عبيد العبيد.
وإذا أردت أن تعرف هذا فانظر إلى استماتتهم في الرجوع إلى آراء فلاسفة الثورة الفرنسية التي ما هي إلا ترديد آراء فلاسفة اليونان، مع أنهم يتهمون الإسلاميين بالرجعية؛ لأنهم يرجعون إلى الشرع المنزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-!
فنحن نرجع إلى مرجعية إلهية، وهم يرجعون إلى مرجعية بشرية!
نحن نرجع خمسة عشر قرنًا، وهم يرجعون أضعاف أضعاف ذلك..!
نحن نعبد الله فلا نحكم في دمائنا وأعراضنا وأموالنا إلا الله، وهم يجعلون البشر حاكمين على أعراضهم وأموالهم ودمائهم بمحض أهوائهم!
نحن نتوكل على الله في حفظ دينه فإذا مات عالم لم نخش على الدين بعده؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مات وحفظ الله الدين بعده؛ فكيف بمن بعده؟!
وإذا كان "محمد أركون" وغيره قد شقى في حياته بعبوديته للمستشرقين؛ فإن الأتباع يشقون بوفاة "أركون"، و"فؤاد زكريا"، وغيرهم..
يشقون أولاً حينما تخلو جنازات هؤلاء من أي مسلم "عادي" مِن عامة الشعوب الإسلامية تأكيدًا على العزلة التامة التي يعاني منها "التيار العالماني"، وجنازات هؤلاء جميعًا نسخ مكررة لا يكاد يحضرها إلا بعض أستاذتهم من الكفار، وبعض تلامذتهم من العالمانيين، وبعض المسئولين المضطرين للحضور، وتسجيل جنازات هؤلاء -ومنها: "جنازة أركون"- متاحة على الإنترنت.
ثم يشقون ثانيًا حينما يشعرون أن الجيل القادر على الإنتاج يتآكل واحدًا بعد واحد، وأن التيار العالماني رغم سيطرته على كثير من المراكز البحثية والثقافية غير قادر على إفراز أي رموز جديدة؛ بخلاف الدعوة الإسلامية التي تثمر كل يوم رموزًا جديدة -بفضل الله تبارك وتعالى-.
لقد حاكم العالماني المتطرف "شريف يونس" رفاقه في الدرب؛ فعراهم وبيَّن ضعفهم، أمام الظاهرة الإسلامية، ونقل دكتور "أحمد إبراهيم خضر" عنه هذه المحاكمة في مقاله: "محمد أركون وحصاد الصراع بين الإسلاميين والليبراليين"، كان مما جاء فيه قوله: "أدركت السلطة ذاتها كما يرى "يونس" ما يسميه هو نفسه بـ"هزال التنوير المعاصر"؛ فعمدت إلى استدعاء الموتى من كتاب التنويريين القدامى؛ لينوبوا عن التنويريين الأحياء في مواجهة الإسلاميين، فقامت بإعادة طبع كتب التنوير القديمة، لكنها حذفت منها هذه النصوص المثيرة للإسلاميين، مما يعني فقد قدرتها على المواجهة، بالرغم من أن هذه النصوص في حد ذاتها ذات طبيعة مراوغة تمثل مراوغة أصحابها ذاتهم -كما يرى يونس-.
والمعركة مع الإسلاميين في نظر "يونس" ليست معركة نصوص، وإنما هي معركة سياسية اجتماعية أيديولوجية حية؛ ولهذا فإن الإسلاميين لا يستمدون قوتهم من إعادة طبع الكتب القديمة ككتب "ابن كثير" -رحمه الله- مثلاً، وإنما من أعمال مفكرين إسلاميين أحياء يطرحون إجابات إسلامية لقضايا الواقع المعاصر، وفى إطار هذا الطرح تأتي استعادة أفكار "ابن كثير" وغيره".
ومِن أجل تلك الأزمة التي يعيشها التيار العالماني تسارع صُحُفُهُم وقنواتُهم إلى تمجيد كل رمز يموت من رموزه؛ عساهم أن يستطيعوا جعل وفاته فرصة لإحياء كتاباته، ولكن هيهات هيهات.. فقد ولى زمن صناعة الأصنام ببعض الألقاب أو الشهادات أو الفبركات الصحفية.
إن العالمانيين ورم سرطاني في جسم الأمة، إما أن تعالجه الأمة وإما أن يميتها، وكل الشواهد تدل على أن العالمانيين إلى زوال.. ما بين تائب عائد إلى الحق منضم إلى قافلة الإسلاميين، وهم كثر -بحمد الله تعالى-. وبيْن راحل عن الدنيا مخلفًا كتبًا لا يكاد يقرؤها أحد. وما بين منزوٍ في برج عاجي يموت في جلده حسرة قبل أن يأتيه الموت.
ونحن نحاول معهم عساهم أن تدركهم التوبة قبل أن يدركهم الموت.
نسأل الله أن يحسن خاتمتنا، وأن يمسكنا بالإسلام حتى نلقاه عليه، إنه على كل شيء قدير.