شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريقة أهل الكفر والعناد في معارضة الأنبياء وأتباعهم (1)

علاء الدين عبد الهادي • من نور الوحيين

ثم ازداد هؤلاء الضلال كفرا ( فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) (فصلت:17) ، ونتاجَ عقولهم السقيمة على منهج الأنبياء المعصومين، والفكرَ البشريَ القاصرَ على الوحي الرباني الكامل، ومذاهبَ أساتذتهم في الضلال على طريقة المهتدين أتباع الأنبياء، وها هم ( يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ) (النساء:51) ، فمالوا لإخوانهم من أهل الكفر ونقموا على أهل الإيمان، فلا تحزن أيها المهتدي ( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ . الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ . وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:95-99) .

وجراء ذلك تجدهم:

يزكون أنفسهم ويحقرون أهل الإيمان!

أفرأيت أيها الغريب أضلَّ من إنسان أخرق ينسب الحمق إلى غيره؟! أو فاسد يتهم بدائه الصالحين؟! أو وضيع يرمي الشرفاء بما هم منه براء؟!

فهذا هو حال القوم حينما يأتيهم النذير: ( قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنْ الْكَاذِبِينَ ) (الأعراف:66) ، فرموهم بالسفاهة وهي بهم أليق، وبالكذب وهو بهم ألصق، وقديمًا قال فرعون -مضرب المثل في الظلم والفساد- في موسى -عليه السلام-، -مضرب المثل في الصلاح والقوة والأمانة-: ( إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ) (غافر:26) ؛ فهو إذن الكبر الذي هو: ( بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ) (رواه مسلم) ، ورؤية النفس واستعظامها حتى يُختم على القلوب.

وهو إذن الكبر الذي حمل الكافرين على أن يقولوا: ( أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ) استصغارًا لشانهم، واحتقارًا لحالهم؛ فرد الله عليهم: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) (الأنعام:53) ، ( وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ )، فتكفل الله بإجابتهم أيضًا: ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (الزخرف:32) ، ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيمًا ) (النساء:54) .

كذلك حينما ينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- الوحي يحملهم كبرهم على أن يقولوا: ( أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ )، وقد توعدهم الله بقوله: ( سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنْ الْكَذَّابُ الأَشِرُ ) (القمر:26) ، وكان أجدر بهم أن يتبعوا الحق مجردًا بغض النظر عمن جاء به، فما بالك وقد جاءهم كريمُ الأخلاق، وافرُ العقل، معه الآيات البينات: ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً . وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً . قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً ) (مريم:73-75) .

وهذا القدر من التهم الباطلة لم ينل الأنبياء فحسب، ولكن نال ورثتهم أيضًا، بل لقد كانت استجابة هؤلاء الأتباع في نظر المجرمين انتقاصًا من قدر الأنبياء وقدحًا في دعوتهم، فقالوا: ( أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ ) (الشعراء:111) ، ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ) (الأحقاف:11) ، إذ الإيمان في عرفهم تخلُّف وضلالة، والمؤمنون في حكمهم: إما سفهاء أغرار، وإما رجعيون ظلاميون!

وعلى النقيض: رأوا في أنفسهم ومَن على شاكلتهم إصلاحًا وتنويرًا، وظنوا في أنفسهم استحقاقًا لتبوء منزلة النخبة القائدة الموجهة وأن مَن سواهم عليه أن يتبعهم ( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (يونس:35) ، ( وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ . وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ . وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ . وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ ) (فاطر:19-22) ، وماذا جنى هؤلاء الأبرار حتى يستصغر شأنهم المجرمون؟ ( وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ) (المطففين:32) ، ( وإذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) (البقرة:13) ، ولكن الله -سبحانه- رد التهمة عن عباده المؤمنين، فقال عن هؤلاء الأدعياء: ( أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ) (البقرة:13) .

ومِن أجل ذلك تجدهم:

ينسبون كل شر وفساد إلى المؤمنين:

فالمؤمنون -بزعمهم- أصل كل مصيبة تحل بالبلاد والعباد، وهم كذلك -أي المؤمنون- بضعف عقولهم وفساد رأيهم وتصرفاتهم قد استجلبوا أنواع الشؤم والفساد، لم يخل نبي إلا اتهموه بذلك حتى خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم- ( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ) (النساء:78) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية