فريضة الحج.. دروس وعبر
محمد سرحان • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فما من مسلم إلا وتهفو نفسه إلى البيت الحرام، ويشتاق إلى أداء فريضة الحج، وإن القلب ليطير فرحًا حينما يُبشر الإنسان بأدائها؛ حتى إن القلب ليسابق الراحلة، ويود لو دفعها بنفسه حتى يصل إلى البيت الحرام، ومسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ ليروي ظمأه منهما، ويستريح قلبه وبدنه بين جوانبهما، ولا يملك العبد عينيه إذا رأى الكعبة، ويتملكه شعور من الفرح والسعادة لا يستطيع وصفه، بل إنه في كل مرة، بل في كل صلاة ليجد من الأحاسيس والشعور ما لا يعبر عنه قلم، ولا يصفه واصف.
ورحم الله من قال:
وحيٌ من الروح لا وحي من القلم هـز المشاعر من رأسي إلـى قــدمـي
لـمـا رأيـت حجـيـج البيت يدفعهـم شوق إلى الله من عُرب ومـن عـجـم
لبوا الــنـداء فما قـرت رواحـلـهـم حتى أنـاخـوا قـُبيل الصبـح بـالـحـرم
لبيـك الـلهــم يــا ربـًـا نـلــوذ بــه سَجْعَ الحـناجـر تحـدُوها بـلا ســَئـَـم
لما رأوا البـيـت حـقــًا قـال قائلهم مزجتُ دمعًا جرى من مـُقـلـتي بــدم
وصَفـَّقـَت من أريـج الفـرح أفـئـدة كـمـا تـراقـص جــذلان مـن الـنـغــم
سـرى إلى الروح روحـانية عـذب فـزال عـنهم سـواد الـهـم والـسـقــم
فــي ســـاحـة الـبـيـت والأبـصــار شاخصة كأنما هي أطياف من الحلم
والطـائـفون كأمـواج البحـار وهم مـا بـيـن باكٍ عـلى ذنب ومبـتسـم
الـلـه أكـبـر.. كـم مُـدَّت هـنـاك يـدٌ وكـم عـلـيـهـا أريــقـت أدْمـُعُ الـنـدم
وكــم تــوســل مــحــروم فـبـلـغـه رب الحجـيج أماني الروح والـنـعــم
وكـم تـنـفـس مـظـلـوم بـحـرقــته وكـم أقـيـل عـظـيـم الـذنـب والـلـمـم
إن الحرمين حقًا لجنة على الأرض.
وفي هذه الفريضة يجد الإنسان من معاني الإيمان الكثير والكثير، ويربي نفسه تربية إيمانية عظيمة حتى إنه ليود أن يكون طوال عمره على الحال التي عاش فيها هناك، وإنه ليصدق قول القائل: "إنه لتمر بي أوقات أقول: لو أن أهل الجنة فيما أنا فيه إنهم لفي عيش رغيد".
ومما يخرج به الإنسان من معاني الحج:
الاستسلام والخضوع والانقياد: فإنه في الحج يقيل حجرًا "الحجر الأسود"، ويرمي حجرًا بحجر "في رمي الجمار"، ويطوف حول الكعبة، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقف بعرفة، ويبيت بمزدلفة؛ لا يبيت في مكان آخر، ولا يقف في غير عرفة، ولا يسعى في مسعى آخر، وقد يجهل الكثير من الناس الحكمة من ذلك، والكل يفعل ذلك؛ لأن الله أمره بذلك ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أمر بذلك، استجابة لأمر الله واتباعًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كما قال عمر -رضي الله عنه-: "إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ" (متفق عليه) .
فيعوِّد الإنسان نفسه وقلبه على الاستسلام والانقياد والخضوع لأمر الله؛ فيسهل عليه بعد ذلك فعل كل أمر جاء به الشرع، والانتهاء عن كل نهي نهى عنه الشرع، وإنه ليجد حلاوة الاستسلام والانقياد والخضوع كعبادة من أجل العبوديات لله -تعالى-.
ويُمرِّن العبد نفسه على ذلك طوال أيام الحج حتى يكون ذلك له ديدنًا وعادة، ويعود إلى بلده عازمًا على الاستمرار على هذا.
ومن ذلك أيضًا: ذلك الحرص الشديد على الطاعة وعدم المعصية؛ لأنه يذكر دائمًا حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) (متفق عليه) ، وفي رواية: ( مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، ويتمنى لو استمر على هذا الاجتهاد بعد أن ذاق حلاوة الإيمان وحلاوة الطاعة، وحلاوة البعد عن المعصية وتركها لله -تعالى-.
ويعلم الإنسان أن هذا الاجتهاد ليس ببعيد عنه ولا هو مستحيل، وإنما يحتاج إلى صدق كصدقه في البيت الحرام، وعزيمة كعزيمته هناك، وقبل ذلك توفيق الله له؛ فيجتهد في الدعاء أن يبقيه الله على هذا الحال، بل يزيد في طاعته وفي قربه، وفي اجتهاده، فيعلم العبد قيمة الإخلاص والصدق والعزيمة.
ومن ذلك أيضًا: ذلك البذل من الجهد والمال والوقت الذي بذله الحاج، وقد كان سهلاً هينًا عليه في طلب رضا الله -تبارك وتعالى-، فنجد الحاج يسير من منى إلى عرفات على قدميه ثم يعود بعد ذلك يحدوه الشوق إلى الله، وإلى دعائه، وإلى مناجاته؛ كي يغفر الله له في يوم عرفة، ويستعذب التعب والألم، ويهُون من ذلك عليه لما يطلبه من رضوان الله؛ يطوف ويسعى ويجد التعب، ولكنه في الحقيقة نعيم ولذة وسعادة؛ لأنه في طاعة الله، وفي طلب رضاه، لقد وجد بنفسه استعذاب الألم في الله -تعالى-.
ويجد لذة المناجاة والتضرع إلى الله -تعالى- حتى إنه ليتمنى ألا تنتهي مناجاته، وألا يجيء الوقت الذي يفرغ فيه من ذلك، ثم إنه ليجد بجواره من جاوز الستين والسبعين، بل من انحنى ظهره حتى قربت رأسه على الالتصاق بركبتيه؛ فيستصغر نفسه، ويستقل عمله، ويعلم أن هناك من يبذل ويجتهد أكثر منه، فيكون أشد حرصًا واجتهادًا، ويهون عليه التعب، ويقر في قلبه عظمة ربه -تبارك وتعالى- التي جعلت كل هذه الجموع وكل هذه الملايين تبذل كل هذا البذل، وتضحي كل هذه التضحيات.
فما أحوج الحاج وأحوجنا إلى الاستمرار على هذا البذل في سبيل الله، وفي سبيل دينه، تضحية بالمال والجهد والوقت، والغالي والثمين في سبيل الله -تعالى-.
ومن هذه الفوائد: أن كثيرًا مما كان يستصعبه الإنسان يجده سهلاً يسيرًا، فقد كان يبحث عن قلبه ليخشع في ركعتين أو في صلاة فرض، وقد يستصعب قيام الليل في غير رمضان، ويستصعب أن يديم الصلاة والقيام طوال الليل، فها هو يجد ذلك سهلاً، لقد وجد قلبه ووجد الخشوع، ووجد ما أسهل قيام الركعات الطوال، بل استدامة ووصل الصلاة طوال اليوم.
إنما هو توفيق الله وتفريغ القلب من المشاغل لينهل من حلاوة الطاعة، ليس بعسير أن يفرغ القلب، وكما كان يذكر للإنسان في الدروس والمحاضرات: ألقِ الدنيا ومشاغلها وراءك ظهريًا، وأقبِل على الله فيقول: أنى هذا؟ فها هو قد وجده.