فريضة الحج.. دروس وعبر
محمد سرحان • التزكية
فيحتاج إلى الإنسان بعد ذلك أن يفرغ قلبه من هذه المشاغل والمشاكل كما فعل في الحرمين الشريفين، ويحتاج إلى همته وعزيمته التي فعل بها ما فعل، فما أحوجنا في أيامنا وليالينا إلى هذا الإقبال وهذا الخشوع، وهذا الفراغ للقلب للإقبال على الله -تعالى-.
وما أحوج الإنسان إلى الاهتمام بقلبه وعبادات القلب.
ومن هذه الفوائد:
قيمة العلم: فإن العالم بالمناسك وغيرها من أمور دينه لينعم بتطبيق السنة، ويبتعد عما يفسد حجه أو ينقص من ثوابه قدر استطاعته، ويعلم متى يستخدم الرخصة ومواضع ذلك؛ فإن كثيرًا من الناس يفعل المخالفات للسنة في الحج على رأيه وتأويله.
وصدق الإمام أحمد -رحمه الله- حين قال: "الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب، فحاجتهم إلى الطعام والشراب مرة أو مرتين، وحاجتهم إلى العلم بعدد أنفاسهم".
ومن الفوائد التي يخرج بها المسلم أيضًا من هذه الفريضة: تلك الرابطة الإيمانية بينه وبين المؤمنين في أقطار الأرض، بل على مر الدهور وكر العصور، تلك الرابطة التي يتقاصر دونها الزمان والمكان فهو يستحضر إبراهيم وإسماعيل وهاجر -عليهم السلام-، في بناء البيت، وفي سعي هاجر بين الصفا والمروة، وما وقع من إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- هناك، ونداء إبراهيم -عليه السلام- بالحج، ودعائه الذي يجد كل مسلم أثره في قلبه تجاه البيت العتيق.
ويستحضر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في موسى -عليه السلام-: ( كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام هَابِطًا مِنْ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ ) (رواه مسلم) ، فكأنه يرى الأنبياء وأتباعهم قد سبقوه بالتلبية والطواف؛ فتكون هناك الرابطة الإيمانية بينه وبين المؤمنين في كل عصر ومصر، ويزداد حبه للأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، وحبه للمؤمنين في كل زمان ومكان، وخاصة وحوله في كل المناسك والأماكن يرى من إخوانه في الإسلام على اختلاف الأشكال والألوان والأجناس واللهجات واللغات فيحبهم رغم أنه لم يكلمهم، ويحادثهم ويحبهم؛ لأنهم مسلمون.
ويشعر بعظمة هذا الدين الذي جمع كل هؤلاء في مكان واحد على مناسك واحدة، ويحس بعظمة دينه، وأنه وحده الحق وما سواه باطل، ويشعر بالمسلمين في كل مكان على هذه الأرض فإنه ما تنظر عيناه إلا لمسلم من بلد أوروبية أو آسيوية أو أفريقية أو غيرها، فيستشعر آلام المسلمين في كل مكان؛ فيجأر إلى الله -تعالى- بالدعاء أن يعز الله الإسلام وينصر المسلمين، ويفرج هموم المسلمين في كل مكان، وينصر المسلمين في كل بلد من بلاد الدنيا.
ويرى كذلك هذه الاستجابة العجيبة، والاستسلام القوي للشرع من تلك الجاليات التي لا تتحدث العربية؛ فيزداد حبه لهم، ويزداد تمسكه بالشرع، وتزداد الرابطة التي تضم جميع المسلمين والمؤمنين من آدم -عليه السلام- إلى قيام الساعة.
ومن ذلك أيضًا: رؤية الأمل في عز المسلمين وانتصارهم وأنه قريب بإذن الله -تعالى-؛ لما يرى من هذه الجموع شبابًا وشيوخًا وأطفالاً رجالاً ونساءً على اختلاف الأشكال والألوان، فيستبشر بهذه العودة إلى الله -تعالى-، وبهذه الجموع التي أملها رضا الله -تبارك وتعالى-.
فتحتاج أمتنا إلى جهد الدعاة إلى الله -تعالى- وعلماء الأمة في توجيه هذه الجموع -وغيرها من جموع الأمة- وفي بذل الجهد في الأمة التي فيها الخير إلى يوم القيامة لتخرج من كبوتها، وتستفيق من غفلتها، وتحمل راية الله -تبارك وتعالى- لإعلاء كلمته، ونصرة دينه، فحاجة الأمة إلى بذل أبنائها وجهدهم لدين الله -تعالى- في هذه الآونة أكثر من حاجتها في أي وقت مضى، ويجد كل باذل -بإذن الله تعالى- ثمرات كثيرة لبذله وجهده، وهذا من عاجل بشراه في الدنيا، وكفاه ما يجد من النعمة في البذل للدين ونصرته، وما يجد من بركات في رزقه ووقته، وما له وعياله، وفضلاً عما يجده عند الله -تبارك وتعالى- في الآخرة.
فنسأل الله -تعالى- أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات.
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.