الطريق إلى الولد الصالح 9- التربية النفسية في مرحلة الطفولة
عصام حسنين • المرأة والأسرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن البناء النفسي الوسط للطفل يؤهله لأن يكون إنسانًا سويًّا، يقوم بتكاليف الحياة بجد ونشاط وأمل، وحسن ظن بالله -تعالى-، وصبر وجلد عند الشدائد، يحب الخير للناس، ويسعى في إيصاله إليهم؛ بعيدًا عن ضد ذلك من حقد أو غل أو حسد، أو أنانية أو عدوانية إلى آخر ذلك من أخلاق فاسدة محرمة، من أسبابها: فقدان الطفل للعاطفة أو البناء النفسي الوسط.
تمتاز التربية في الإسلام بمنهج وسط يحقق الشخصية المؤمنة المتزنة، الملتزمة بدينها، والمصلحة لغيرها، قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (فصلت:33) .
قال الحسن البصري -رحمه الله-: "هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله"!
قال ابن كثير -رحمه الله-: "هذه الآية عامة في كل من دعا إلى خير، وهو في نفسه مهتد، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولى الناس بذلك" "التفسير" .
ولكي يكون رجل الغد المشرق -إن شاء الله- بهذه المثابة التي يحبها الله -تعالى-، والذي هو غرض التربية، بل الغرض من هذا الوجود والزواج وإنجاب الذرية، وغيره.. ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات:56) ؛ فلابد من هذا البناء النفسي الوسط بدون إفراط يؤدي إلى تدليل بغيض، أو تفريط يؤدي إلى: عقد نفسية، وأمراض جسدية واجتماعية.
أولاً: الدفء الأسري:
لابد أن يتقي الزوجان ربهما -تعالى- في معاملة كل منهما للآخر: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (الروم:21) ، وقال -تعالى-: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (البقرة:228) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا؛ رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ) (رواه مسلم) .
وإن كان من عتاب أو توجيه؛ فليكن سرًّا بعيدًا عن الأولاد، ولابد من كظم الغيظ، وليستعن على ذلك بما ورد فيه من فضل، قال -تعالى-: ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (آل عمران:134) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ) (متفق عليه) ، وقال: ( مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ؛ دَعَاهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .
وعليهما أن يشيعا في البيت جو الحب والسرور؛ ليكون محضنًا دافئًا للمولود الجديد ولأطفالهم، وليس صوابًا ما يظنه بعض الآباء من أنه لا بد أن يعبس أو يرتفع صوته بالأمر والنهي؛ ليهابه أهل البيت، فقد يتحقق ذلك، لكن خسارته كبيرة، خسارة حبهم لك، وهروبهم منك، ودمارهم النفسي أو انحرافهم والذي يؤدي إلى عواقب وخيمة فيما بعد.
إن المحضن الدافئ الذي يشيع فيه الحب والسعادة بسبب طاعة الله: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (النحل:97) ، فينشئ الولد تنشئة نفسية صحيحة تقيه المشكلات النفسية والجسدية كالتبول اللاإرادي، والخوف، والقلق عند النوم، والتلعثم عند الحديث، والعدوانية وغير ذلك.
2- الحنان والرحمة:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ ) (متفق عليه) .
( أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ ): ما أجمله من تعبير، يحمل معانٍ كثيرة تبين أساس التربية النفسية لأولادنا.
هذا الحنان الذي خرَّج لنا رجال الصحابة -رضوان الله عليهم- الذين تحملوا نصرة الدين ( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الأعراف:157) .
الذين كان لأمهاتهم في قلوبهم شأن عجيب، وهل هذه المكانة إلا نتاج الرحمة والحنان والحب الذي غرسته الأم في قلوبهم؟!
نعم الحنان والحب والرحمة.. أيها الأبوان! ولنا في رسولنا -صلى الله عليه وسلم- في هذا الجانب الأسوة الحسنة؛ فقد كان -صلى الله عليه وسلم- أرحم الناس بالعيال!
يقول أنس -رضي الله عنه-: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (رواه مسلم) .
وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا، فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا" (رواه البخاري) .