الطريق إلى الولد الصالح 9- التربية النفسية في مرحلة الطفولة
عصام حسنين • المرأة والأسرة
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، مُتَّكِئًا عَلَى يَدِي فَطَافَ فِيهَا ثُمَّ رَجَعَ فَاحْتَبَى -أي: جلس على مقعدته وهو يشبك ذراعيه حول ركبتيه- فِي الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: ( أَيْنَ لَكَاعٌ؟ ادْعُوا لِي لَكَاعًا ). فَجَاءَ الْحَسَنُ، فَاشْتَدَّ حَتَّى وَثَبَ فِي حَبْوَتِهِ، فَأَدْخَلَ فَمَهُ فِي فَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: ( اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ ) ثَلاثًا. (رواه البخاري ومسلم، وأحمد واللفظ له) . واللكاع: هو الصغير قليل الجسم.
وكان -صلى الله عليه وسلم- يرحم بكاء الصبي في الصلاة فيخففها؛ فعن أنس -رضي الله عنه- قال: "مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلاةً وَلا أَتَمَّ مِنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ" (متفق عليه) .
وكان -صلى الله عليه وسلم- يمسح رأس الطفل وخده؛ فعن أنس قال: "كان يَزُورُ الأَنْصَارَ وَيُسَلِّمُ عَلَى صِبْيَانِهِمْ، وَيَمْسَحُ رُءُوسَهُمْ" (رواه النسائي في السنن الكبرى، وصححه الألباني) .
وعن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- وهو من أطفال الصحابة، قال: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلاةَ الأُولَى -يعني: صلاة الظهر- ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا". قَالَ جَابِر: وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّي فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحًا كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ" (رواه مسلم) ، وجونة العطار: سُليلة مستديرة، مغشاة أدمًا يجعل فيها العطار عطره" اهـ من "المنهاج النبوي ص315" .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِيٍّ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه الألباني) .
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلٌ وَمَعَهُ صَبِيٌّ، فَجَعَلَ يَضُمُّهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَتَرْحَمُهُ؟ ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَاللَّهُ أَرْحَمُ بِكَ مِنْكَ بِهِ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (رواه البخاري في "الأدب المفرد"، وصححه الألباني) .
فعلى الأم أن تسقي ولدها مع اللبن الحنان والرحمة والحب بكثرة ضمه إلى صدرها عند إرضاعه وتقبيله وتربيِتَه -ربَّت الصبي: إذا ضربت بيدها على جنبه قليلاً قليلاً لينام-.
يقول أحد الأطباء الإنجليز: "إن الرباط بين الطفل والأم إما أن يكون ركيزة الصحة النفسية أو يكون منطلقًا للمرض النفسي".
3- ومن مظاهر هذه الرحمة: تقبيله ومداعبته والتصابي له:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لَيَدْلَعُ لِسَانَهُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَيَرَى الصَّبِيُّ حُمْرَةَ لِسَانِهِ، فَيَبْهَشُ إِلَيْهِ" (رواه ابن حبان والبغوي في "شرح السنة"، وصححه الألباني) ، يبهش إليه: يعجبه ويسرع إليه.
وسبق أنه -صلى الله عليه وسلم- أدخل فمه في فم الحسن -رضي الله عنه-.
وكان -صلى الله عليه وسلم- يحمله في الصلاة؛ فعن عبد الله بن شداد عن أبيه -رضي الله عنهما- قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي إِحْدَى صَلاتَيْ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلاةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الصَّلاةَ؛ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ. قَالَ: ( كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .
وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُنَا إِذْ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ -عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ- عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ( صَدَقَ اللَّهُ: ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ) فَنَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَاضِعًا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ يَقُولُ: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ ) (متفق عليه) .
4- وكذا ملاعبته بحب وسرور وفرح ومجاوبة:
لأنه يشعره أنه مرغوب فيه، فيزيد من نشاطه ويشجعه على الاختلاط بالناس، وعلى الشجاعة الأدبية بحيث يعبر عما بداخله بطلاقة دون خوف من أحد.