أهل الكفر وحرب التخييل والتضليل
علاء الدين عبد الهادي • من نور الوحيين
طريقة أهل الكفر والعناد في معارضة الأنبياء وأتباعهم (3)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد عرضنا في المقالتين السابقين بعض صور الحرب التي ما برح الكافرون عبر العصور يستخدمونها مع الأنبياء وأتباعهم، وأسباب ذلك من انتكاس للفطر، وفساد للعقائد، وخراب للقلوب، وموالاة أعداء الله ومعادة أوليائه، وفي هذا المقال نستكمل -بعون الله- ما بدأناه من هذه الطرائق؛ لا سيما في مجال الحرب على العقيدة وإلقاء الشبهات، ومحاولاتهم فتنة الناس عن دينهم بأساليب ملتوية، ونحو هذا مما يمارسونه ضد هؤلاء الأشراف الأعلَيْن من الأنبياء وأتباعهم المؤمنين.
فمن صور هذه الحرب.. أنهم يودون إضلال المؤمنين:
هؤلاء الكافرون عميت أبصارهم فلم تقبل نور الله إذ جاءهم، وأظلمت قلوبهم فلم تعرف للحق طريقًا: ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (محمد:23) ؛ فكرهوا الهداية والمهتدين حتى إنهم يودون لو لم يؤمن المؤمنون ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ ) (البقرة:109) ، وهذا نظير قوله -تعالى-: ( وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) (آل عمرن:69) .
وكأنهم يفعلون ذلك بدافع شعور النقص الذي يعتريهم أمام المؤمنين الموحدين حينما يستعلون بإيمانهم ( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيرًا ) (النساء:89) ، فاحرص يا ذا الجوهرة الثمينة عليها، واعلم أن لك فيها حسادًا مبغضين يودون لو ينتزعونها منك انتزاعًا ( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (الزخرف:43) .
ومن ذلك الإضلال.. أنهم يتبعون طريق التلبيس والتضليل:
فالحق أبلج والباطل لجلج، وأصحاب الباطل لما أفلسوا وما بقي معهم على المؤمنين حجة واضحة ، اتبعوا طريق أهل التخييل؛ فطفق شياطينهم يقولون كلمة من الحق ويخلطون بها عشرة من الباطل، ويظهرون الإصلاح ويضمنونه الفساد ( وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ ) (المجادلة:18) ، وهذا التلبيس قد أجادوه مع أتباعهم فانقاد لهم الأتباع، أمروهم بالمنكر ونهوهم عن المعروف فاتبعوهم، وأحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم: ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) (البقرة:78) .
فهكذا عقيدتهم لا يعرفونها إلا ظنًا ولا تثبت إلا بمقدار ثبات بيت العنكبوت ( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (العنكبوت:41) .
أما المؤمن المستبصر فيعيب عليهم ذلك التلبيس ولا يروج عليه، بل يكشفه ويعريه ويبينه، صارخا في وجوههم: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ . يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (آل عمران:70-71) ، فلا يلبث صاحب التلبيس إلا أن ينكشف مكره ويتضح خداعه وتبور بضاعته ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ) (الإسراء:81) ، والمؤمن كذلك يدعو هؤلاء الذين يتخبطهم الشيطان أن يفيقوا ويبصروا نور الشمس في رابعة الظهيرة ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (المائدة:15-16) .
ومن ذلك التلبيس.. دس المنافقين في صفوف المؤمنين:
فقديمًا ( قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (آل عمران:72) ، يريدون بذلك أن يقول الناس: ما ردهم عن دينهم إلا ما وجدوه فيه من نقائص ومثالب، وما تركوه إلا سخطة له، وهي حيلة دنيئة للمفلسين حتى يومنا هذا، ولكنها لا تخيل إلا على المنخدعين، هذا ومن حكمة الله -تعالى- أن يتم نفي الخبث عن الأتباع بالتمحيص والابتلاء ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) (العنكبوت:2-3) .
وإلا لو لم يظهر هؤلاء الكاذبون المنافقون على حقيقتهم لما زادوا الصف المسلم إلا ضعفًا وإفسادًا واضطرابًا وتخذيلاً، و( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) (التوبة:47) ، وتلك عادتهم دائمًا ( لَقَدْ ابْتَغَوْا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ) (التوبة:48) ، فدائمًا يفضح الله كيدهم الخاسر ومكرهم البائر، ويرتكبون من الحماقات ما به تظهر ألعوباتهم الطفولية الساذجة، ولو شئت أن تتبع ذلك في القديم والحديث لوجدت عجبًا.
ومن عداوتهم أيضًا.. أنهم يلقون الشبهات على المؤمنين: