شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أهل الكفر وحرب التخييل والتضليل

علاء الدين عبد الهادي • من نور الوحيين

هؤلاء الكافرون لما كسدت بضاعتهم أن يروجوها، واستحيوا أن يعرضوها على عاقل، ولما علموا أنهم ليسوا على شيء حتى يطمئنوا له؛ فضلاً عن أن يدعوا إليه؛ ذهبوا يشغبون على المؤمنين، ويثيرون حول عقيدتهم الشبهات الواهية والأكاذيب البالية؛ لعلهم ينالون منهم نيلاً، وهيهات أن يبلغوا ذلك مع صادقي الإيمان وراسخي العقيدة؛ فقد ذاقوا مرارة الخذلان وذل الخزي والهوان، في كل مرة يحاولون فيها إلقاء الشبهات سواء في قضايا كلية كنحو: خلق الكون، أو التوحيد، أو بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو حتى في قضايا تفصيلية كما قالوا في أمر تحويل القبلة: ( مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ) فرد الله عليهم: ( قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة:142) .

ولما ذكر الله في كتابه العنكبوت والذباب ضاربًا بهما مثلين بليغين، قالوا: ما بالهما يذكران؟! فأنزل الله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ ) (البقرة:26) ، أو حتى ما يلوكونه بألسنتهم هذه الأيام من كون الإسلام انتشر بالعنف وحد السيف ويتناسون قوله: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) !

وزعمهم: أن الإسلام ظلم المرأة، ويكتمون قوله -تعالى-: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) (النساء:19) ، وغير ذلك كثير من القضايا التي يريدون بها صرف المسلمين عن دينهم ( وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً ) (الكهف:56) ، ثم يهربون أمام كل مناظرة علمية هادئة لا يلوون على شيء.. فإلى هؤلاء وأذنابهم نقول: ( وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى ) (طه:61) .

ومن إلقاء الشبهات أيضًا.. التشويش على القرآن:

لما علموا أن القرآن هو معجزة الإسلام الباقية إلى يوم الدين أرادوا هدمه واللغو فيه، والتشويش عليه؛ حتى لا يقبل عليه المؤمنون، كما قالوا سابقًا: ( لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) (فصلت:26) ، فراحوا يحاولون تصوير القرآن لنا على أنه لم يأت بجديد، وأن الجديد فيه غير صحيح!

وقالوا كذلك: ( لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ) (المؤمنون:83) ، بل طعنوا في الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-: ( وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) (الفرقان:5) ، فبرأه الله -تعالى- بقوله: ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ . بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ ) (العنكبوت:48-49) ، فراحوا بظلمهم يطعنون فيه، وفي مبلِّغه -صلى الله عليه وسلم-! أفلا يطعنون بعد ذلك في صحابته الكرام -رضي الله عنهم- الذين نقلوه إلينا بالتواتر جيلاً فجيلاً؟!

ولكن ما أضعف حجتهم وأبين مكرهم وأشد خذلانهم، إذ لو قارنوا كتابنا بكتابهم، وعنايتنا مع قرآننا بعبثهم مع كتبهم، واتفاقنا على مصحفنا باختلافهم على نسخهم، واتصال أسانيدنا وتواترها وتسلسلها بالصحة والقوة بانقطاع أسانيدهم واهترائها وجهالتها؛ لما رفعوا بعد ذلك رأسًا، ولما سمعنا لهم حسًا. فأين الثرى من الثريا؟! وأين التوفيق من الخذلان؟!

كيف يظنون أنهم ينالون من الكتاب المحفوظ؟!

محفوظ فيما تم التدقيق فيه في السطور، ومحفوظ كذلك ما وعته ملايين الصدور عبر القرون، والمرفوع شانًا، والمنزه مكانة، والمتخذ ربيعًا، متجددًا للإيمان والعلم والعمل الصالح؛ الذي قال فيه من أنزله: ( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ . بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) (الشعراء:192-195) .

أما إنهم قوم يائسون بائسون مخزيون لم ينالوا خيرًا، ولا ينتظرون خيرًا؛ إذ أرادوا للشمس إخمادًا بأنفاسهم، وللسحاب إيذاء بنباحهم! ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ . لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (فصلت:41-42) ، فلا تحزن يا حامل القرآن ( مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ) (فصلت:43) ، ويكفيك من البشريات وعد ربك لك: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) .

وهكذا وكما رأيت أيها القارئ؛ ما أرادوا بالمؤمنين سوءًا إلا رد الله عليهم مكرهم! وما تفتقت أذهانهم الشريرة عن أمر إلا وفي القرآن لها بيان، وللنجاة منها فرقان ( وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ) (الفرقان:33) .

فثق بالله ربك أيها المؤمن وقل: ( حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ . قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ . إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) (الزمر:38-41) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية