رسالة إلى ولي البنت
ياسر عبد التواب • المرأة والأسرة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فعندما يطيب الثمر فوق الشجر؛ فإن من الحمق ألا ينتفع به، وتخيل معي شخصًا لديه شجرة تفاح تعب في زرعها ورعايتها، فلما حان قطف ثمرها؛ تركه فوق الشجرة حتى مر عليه وقت، فعطب وضمر وسقط من غير انتفاع به!
ولئن كان هذا -في أمر الثمار- حماقة فهو في حال البشر أكبر وربما نعده خيانة.
فالإنسان السوي يحب أبناءه، ويحدب عليهم، ويشفق من أن يصيبهم ما يؤذيهم أو يكدر صفو هنائهم، ويستوي في ذلك لديه البنين والبنات، وربما وجدت شفقة بعض الآباء على البنات أكثر، وهذا شائع معروف، حيث يستشعر ضعفها، فتتحرك عاطفة الأبوة أو نخوة الأخوة -أيضًا-؛ لتثمر هذه العلاقة السامية من العناية بشأنها وحمايتها من كل ما يؤذيها.
فما الذي يدفع بعد ذلك بعض الآباء إلى تجاهل حاجات تلك التي يشفق عليها ويهتم برعايتها في كافة شئونها، ومن ذلك: السعي الحثيث ليزوجها؟
المثل الذي ضربته -في الثمر- أقصد به إهمال الرجل؛ قيم المرأة المسئول عن شأنها والعناية بها، من أن يزوجها إذا بلغت سن الزواج، وأن يسعى لهذا بقدر جهده؛ ليقطف هو ثمرة تربيته لها أجرًا وثوابًا وسعادة وراحة ضمير، حيث ساهم بأن تسعد بحياتها الخاصة، وبزوج، وأبناء، وليستفيد المجتمع -بل الأمة كلها- من تلك القوة النفسية الهائلة والحنان التلقائي الطبيعي الذي جُبلت عليه النساء؛ لتنتج له أبناء بررة وتساهم في الاستقرار النفسي للشباب.
أي إهمال! بل أي خيانة للمرأة! أن تترك في البيت ولا يحاول الآباء والإخوة أن يدركوا ما تعانيه من الوحدة بدون زواج؟! وتمر السنوات تطوي النضارة، وتذوي الشباب، ويذبل بريقه، وتظل الثمار فوق الشجر تنتظر راعيها؛ ليقطفها وينتفع بها، فأي تعطيل لطاقتها الخلاقة في التربية؟! وأي إهمال لحاجاتها النفسية والبدنية بتنحيتها من تلك الحياة التي تجد فيها راحة النفس وسكون الشهوة وطيب العشرة؟!
وتظل المسكينة تعاني من ألم هذا التجاهل والترفع عن إيجاد حل؛ بدعوى البحث عن الأكفاء، وانتظار أبناء العم الذين ربما تنفر منهم الفتاة، أو يكون بينهما البون شاسعًا في الاهتمام والتفكير ومستوى الثقافة.
أعرف امرأة سعت بعض أخواتها؛ لتزويجها بعد بلوغها الأربعين، حتى وفقت لرجل صالح فشكرت لأختها صنيعها، وعلقت بكلمة -أتمنى أن يتأمل فيها كل عاقل من الأولياء- قالت: ألم يكن أولى بأبي وإخواني أن يسعوا لتزويجي من أكثر من عشرين سنة؟!
وكأنها تشير بهذا اللوم إلى حجم المعاناة التي مرت بها في صمت وحياء، من غير أن تفصح عن مكنون حسرتها وعظيم ألمها، فيمنعها الحياء من بث تلك الهموم لغيرها أو توصيلها لأوليائها.
إن للفتاة حاجات كبرى من الزواج، إنها لرقة قلبها وحساسية نفسها تميل لزوجها، بل ليس لغيره من الناس نفس تلك المكانة. هكذا جبلت وتلك طبيعتها.
لذا؛ كان تفهم السلف الصالح لهذه الفطرة وانظر إلى هذا الموقف:
عن ابن جريج قال أخبرني من أصدق أن عمر وهو يطوف سمع امرأة وهي تقول:
تطاول هذا الليل واخضل جانبه وأرقنـــي إذ لا خـليــل ألاعـبــه
فلــولا حـذار الله لا شـيء مثله لزعزع من هذا السرير جوانبه
فقال عمر: فما لك؟ قالت: أغربت زوجي منذ أربعة أشهر، وقد اشتقت إليه! فقال: أردت سوءً؟ قالت: معاذ الله، قال: فاملكي على نفسك، فإنما هو البريد إليه. فبعث إليه. ثم دخل على حفصة فقال: إني سائلك عن أمر قد أهمني فأفرجيه عني، كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟ فخفضت رأسها فاستحيت، فقال: فإن الله لا يستحيي من الحق! فأشارت: ثلاثة أشهر وإلا فأربعة. فكتب عمر ألا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر. لم يقل لها عمر: "اصبري" ولم يلقي بلائمة عليها -إذ اشتكت-؛ بل قدر حاجتها وسعى في حل مشكلتها، فهلا اقتدينا بذلك؟!
لذا؛ كان السلف الصالح يحرصون على تزويج بناتهم، ويعرضونهن على من يرونه كفئًا لهن في الدين والتدين، هل رأيت مثل عمـر قوة وبأسًا وعـزة؟! ومـع ذلك لـم يمنعه هذا مـن أن يعرض حفصة -إذ تأيمت ومات زوجها- على أبي بكر وعلى عثمان -رضي الله عنهم-؛ ليضمن لابنته هذا الاستقرار في كنف زوج صالح، وقل مثل ذلك في تزويج علي ابنته أم كلثوم -رضي الله عنهما- لعمر -رضي الله عنه-، فكل هذا التحرز والبحث عن القريب وكفاءة الأسرة لم يكن معتبرًا لديهم، وكان السبق في الدين هو أصل ما يبنون عليه العلاقة الزوجية.
صحيح أنه كانت هناك اعتبارات أخرى: من القدرة على النفقة، ومن تفضيل صاحب النسب إن تساوى في الدين مع غيره، ومن القبول الشخصي والرضا المتبادل، لكن بقي الأصل الذي نحتاج جميعًا إلى التأمل فيه وهو: ما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). وها نحن نشهد بأعيننا كم تعاني مجتمعاتنا العربية والإسلامية والخليجية -على وجه أخص- من تلك المشكلة، مشكلة العنوسة التي يتسبب فيها الآباء ورجال الأسرة لبناتهم.
إن نسب تلك النسوة العوانس في مجتمعاتنا قد تصل إلى نصف الفتيات وقد تزيد، ونحن وإن كنا نرى أسبابًا عدة لهذه المشكلة، لكن أكبرها هو هذا المنع أو العضل، فالبنات -إذن- يعانين معاناة شديدة، وحري بالعقلاء وأصحاب القلوب الرحيمة من أهاليهن ألا تأخذهم الأنفة عن البحث عن حل، تمامًا كمثل ما كانوا سيفعلون لو تعرضت ابنتهم هذه لمرض أو حاجة من الحوائج المادية.
فالعضل هو: التحكم في مصير النساء ومنعهن من الزواج لغير سبب، ولغة يقال: عَضَل الرجل أخته وابنته يَعْضُلُها يَعْضِلُها عَضْلاً إذا منعها من التزويج، وكذلك عضل الرجل امرأته، حيث يظل يطلقها ثم يعيدها قبل انتهاء عدتها؛ ليضر بها ويؤذيها، وكل ذلك حرمه الشرع، وقد استخدم العرب كلمة "العضل" وصفًا لكل متعنت، قال عمر -رضي الله عنه- : "أعْضَلَ بي أهل الكوفة، ما يَرْضَون بأمير، ولا يرضاهم أمير".