شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رسالة إلى ولي البنت

ياسر عبد التواب • المرأة والأسرة

لقد نهى القرآن الكريم عن ذلك العضل في قوله -تعالى-: ( فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) (البقرة:232) ، وسبب نزولها رواه البخاري من أن الآية نزلت في معقل بن يسار، حيث كان قد زوج أخته لرجل فطلقها زوجها، ثم أراد الرجوع إليها ثانيًا فأبى أخوها معقل أن تعود إليه مع كونها راغبة فيه، فنزلت الآية تنهى عن ذلك، وما أروع ما نبهت الآية إليه من اشتياق الطرفين للآخر، وقد نقل عن الشافعي -رضي اللّه عنه- أنه قال: إن هذه الآية أصرح آية في الدلالة على ضرورة الولي.

بيد أن هذه الولاية ليست على إطلاقها بحيث تمنع البنت من الزواج مطلقًا وبدون سبب أو لسبب واهٍ كانتظار ابن عمها الذي لا ترغب فيه، فإذا أصر الأولياء على العضل؛ فإن أقرب الأقوال إلى الواقع أن تبدأ البنت بطلب ذلك من العصبة، وعَصَبةُ الرجل: بنوه وقرابته لأبيه، سُمُوا بذلك؛ لأنهم عَصَبُوا به أي: أحاطوا به. والأب طرف، والابن والعم جانب، والأخ جانب -كذا في "مختار الصحاح"-، فإن أبوا؛ فلها أن ترفع أمرها للقضاء فيزوجها الحاكم.

سئل شيخ الإسلام -رحمه الله- عن مسألة مشابهة، فقال ما معناه: إذا خطبها من يصلح لها؛ فعليهم أن يزوجوها، فإن امتنعوا من ذلك؛ زوجها الحاكم أو العصبة إن كان له عصبة غير أولاده، لكن من العلماء من يقدم الحاكم إذا عضل الولي الأقرب، وهو مذهب الشافعي وأحمد في رواية، ومنهم من يقدم العصبة كأبي حنيفة في المشهور عنه، فإذا لم يكن له عصبة؛ زوج الحاكم باتفاق العلماء. ولو امتنع العصبة كلهم زوج الحاكم بالاتفاق. وإذا أذن العصبة للحاكم جاز باتفاق العلماء.

ونعود فنقول أن حياء البنت وإبقاءها على أهلها وإكبارها بهم يمنعها من رفع الأمر إلى القضاء، فلا بد لأوليائها أن يحفظوا لها كرامتها تلك، ويبقى الإذن بهذا صالحًا للبعض.

وهذا العضل ليس هو سبب العنوسة الوحيد -كما أسلفت-، بل أحيانًا تقف العوائد والتباهي كعقبة كئود في سبيل تزويج الفتيات، زيادة المهور ومتطلبات الزواج تخوف الفتيان من الإقدام، وقد تدفع الفتيات أنفسهن إلى تأجيل الزواج حتى يأتي من يدفع أكثر لا من يبني بيتًا على المودة والرحمة كما أمر الله -تعالى-، وهذا كله مخالف لما شرعه الله -تعالى- من تيسير الزواج وإشاعته كمنطلق لعصمة المجتمع ومحافظة على نفسية أفراده واستثمارًا لطاقاتهم فيما ينفعهم وينفع أمتهم.

وانظر كيف كان فهم السلف الصالح لقضية تيسير الزواج، سئل سعيد بن المسيب -رحمه الله- عن حديث ( خير النساء أيسرهن مهرًا ) كيف تكون حسناء ورخيصة المهر؟

فقال سعيد: يا هذا، انظر كيف قلت، أهم يساومون في بهيمة لا تعقل؟ أتراها بضاعة طمع صاحبها يغلب على مطامع الناس؟. ( اتقوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) (النساء:1).

وجاء في وصية ابن جني لبنيه: "يا بني إن الجمال ونضارة الشباب تزيلها السنون، وإن المال غاد ورائح، ولا يبقى إلا الدين، فاظفر بذات الدين تربت يداك".

وقال -تعالى-: ( وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (النور:32) أي: لا تمتنعوا عن التزوج بسبب فقر الرجل والمرأة، إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله، وهذا وعد بالغنى للمتزوجين طلب رضاء الله واعتصامًا من معاصيه، وقال ابن مسعود: "التمسوا الغنى في النكاح"، وتلا هذه الآية، وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( ثَلاَثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، فإن قيل: فقد نجد الناكح لا يستغني، قلنا: لا يلزم أن يكون هذا على الدوام، بل لو كان في لحظة واحدة؛ لصدق الوعد، وقد قيل: يغنيه أي: يغني النفس، وفي "الصحيح": ( لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ) (متفق عليه) .

نحن نعاني من مشكلة العنوسة والمجتمع كله يعاني من ذلك، فيجب ألا ندفن رءوسنا في الرمال، وفي دراسة حديثة عن أسباب تأخر سن الزواج في دولة "الإمارات" -كمثال- نشرت إحدى الصحف المحلية أن نحو 50% من الشباب يرون أن الشروط التعجيزية التي يضعها الأهل تقف حجر عثرة في طريق إتمام زواجهم المبكر، وهي السبب في عزوفهم عن الزواج.

وأوضحت الدراسة التي أعدتها إحدى الجمعيات النسائية بالإمارات أن مطالبة أهل الفتاة بمهر كبير، ومكان متسع، وسيارة حديثة تعطل الشباب عن التقدم للزواج في سن صغيرة حتى يتمكن من جمع مبلغ ضخم يغطي هذه المطالبة، و65% من الشباب يقولون: إن الفتاة تؤجل الموافقة على الزواج انتظارًا لتقدم الأفضل.

فحتى متى نترك هذه المشكلة دون توجيه ونصح؟! بل دون تقنين إن كان هذا ممكنًا؟!

الصفحة السابقة