استعينوا بالله واصبروا
إيهاب الشريف • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فهذا شطر آية وردت في سورة الأعراف في سياق حوار بين بني إسرائيل ونبيهم موسى -عليه السلام- حينما شكوا إليه ظلم فرعون وطغيانه، وامتداد فترة الاستضعاف وطولها، ولنسُق الآية من أولها: ( وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ . قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (الأعراف:127-129) .
عجيب والله هذا الكتاب! وما حواه من وجوه الإعجاز، ومن صلاحيته لكل زمان ومكان!
تأمل فيما يقوله هؤلاء المجرمون في وصف موسى -عليه السلام- وقومه: ( لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ )، وتالله إنهم -"فرعون وقومه"- هم المفسدون.
مَنْ المفسد؟! هل موسى -عليه السلام- الذي يدعو إلى توحيد الله -عز وجل- وتحكيم شرعه وكتابه، وإزالة الطواغيت، وعلى رأسهم فرعون -لعنه الله-، وتحطيم كل صور الأصنام التي تعبد من دون الله، ومحاربة المنكرات، ونشر الفضيلة ومحاصرة الرذيلة، وما يترتب على ذلك من حَل لكل مشكلات المجتمع المصري حين ذاك وآن ذي؟!
وكذا يفعل أتباع موسى -عليه السلام- الملتزمون بالإسلام.. يتمسكون في أنفسهم، ويحاولون نشره في الناس، وقبل ذلك في بيوتاتهم، ونسائهم، وأولادهم، وقومهم!
لكن الملأ في كل وقت وحين لا يحبون ذلك ولا يرضونه؛ لأنهم يرونه زعزعة لسلطانهم، وتهديدًا بزوال كراسيهم وسيادتهم؛ ولذا أضمروا ما أضمروا من العداوة لموسى -عليه السلام- وقومه، ثم صرح رأس الطواغيت بذلك فقال: ( سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ )!
فماذا كان الرد من موسى -عليه السلام- أمام هذا التصريح الرئاسي من ذلك الطاغية.. ذاك الطاغية الذي لديه الاستعداد التام للتضحية بكل شيء ليبقى في مكانه متحكمًا متسلطًا على قومه.. لديه الاستعداد ليقتل ويسفك الدماء.. ليهتك الأعراض.. ليودع من يشاء في غياهب السجون ( لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) (الشعراء:29) ، المهم هو، وإن كلفه ذلك ما كلفه أيضًا، وإن ضحى بشعبه كله، بل وبلده.
هذا هو المنطق الفرعوني على مر العصور الأزمنة!
ماذا كان رد موسى -عليه السلام- أمام هذه الشكوى مِن قومه، وأمام هذا الطاغية مع طول ما لاقى هو وقومه من فرعون وملئه؟
ماذا يكون الجواب لقلة مؤمنة مقابل كثرة متحكمة تمتلك جيشًا وجندًا وإدارات وأعوانًا.. ؟!
ما العمل في طول مدى الظلم وغياب الحكم الإسلامي، وإيذاء أهل الدعوة إلى الوحي المنزل وغيرهم؛ حتى ممن قد يتغاضى عن الكثير من مبادئه لكسب ود الملأ ورضاه عنه وهيهات؟!
استمعوا معشر المستضعفين وتعلموا فإن في تلمس وصايا الأنبياء والبحث عنها والحرص على التمسك بها الخير كل الخير.. وإن الارتباط بالقرآن والعمل به والصدور عنه حل لما نعانيه من حال مشابه لحال هؤلاء المسلمين المستضعفين إبان مدة حكم فرعون -لعنه الله-.
قال موسى -عليه السلام- لقومه: ( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )، يا سبحان الله.. ! كم من الناس اليوم يشتكي ويُرد عليه بنفس الرد فيقول: "إلى متى؟ مفيش فايدة.. ولا أمل في التغيير! حتى متى نصبر؟ وماذا جلب لنا الصبر"؟! وهذا دليل على الخواء الإيماني وضعف التربية العلمية والارتباط بالقرآن والسنة، والتأمل في قصص وسير الأنبياء والسابقين من السلف الصالحين.
إخواني: الاستعانة طلب العون.. وطلب العون لا يكون إلا مع عمل وبذل، وإلا لو كان الإنسان فارغًا فلم يستعين؟
إذ هؤلاء يعلمون ويبذلون ويخططون، ويربون ويعلمون، وللهم يحملون، وللنصر يتشوقون، وعلى حال الأمة يتحرقون، ثم وقبل وأثناء ذلك كله بربهم يستعينون، وعلى مشاق الطريق وصعابه وآلامه يصبرون، ليس ينامون ويتكاسلون ولما كُلفوا به في مرحلتهم الحالية يتركون، ثم بعد ذلك يئنون ويشتكون، وعلى ذلك يقتصرون!
كلا.. إنه الشغل بالإسلام وبذل ما أتيح من أسباب لنصرة دين الله -تعالى- وتتبع وتلمس خطى الأنبياء وتعاليمهم، وعلى رأسهم نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك كله نطلب المعونة مِن الله -تعالى-، ونصبر ونتحمل ما نلاقي في سبيل ذلك، وإن طالت فترات حكم الطغاة.. وإن كان ما كان من مواجهات واعتداءات.. لا نستطيل الطريق.. بل ( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ).
قضيتنا رابحة -والله-.. بذا صرح نبينا -صلى الله عليه وسلم- لخباب لما أتاه يشتكي ما لاقى من المشركين: أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلا تَدْعُو لَنَا؟! فكان رده: ( قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ) (رواه البخاري) .
كن على يقين وأنت تحمل همَّ هذا الدين وتتحرك له، وتتحرق على حال المسلمين وتتشوق للنصر والتمكين للحق وأهله.