شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

استعينوا بالله واصبروا

إيهاب الشريف • من نور الوحيين

كن على يقين أنك على الحق المبين طالما كنت متبعًا للنهج الأول؛ نهج النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتفهم الدين كما فهموه، وتتحرك له مثل ما تحركوا.. ( وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ )، ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة:33) ، لماذا كل هذا الاهتمام بالمعتركات السياسية؟! حتى أثر ذلك لدى بعض الدعوات على الهدف الأصلي؛ وهو تعبيد الناس لربهم -سبحانه وتعالى-.. وصارت الوسائل غايات عند البعض الآخر، فكان التنازل المهين عن بعض ثوابت هذا الدين والتهاون بها، وتمييع بعض القضايا؛ كي تحقق بعض المكاسب! ثم نفاجأ بأن أهل الباطل هم هم لا يتركون مبادئهم، ولا يلتفتون عن أهدافهم حتى ولو في مقابل التضحية بمن بذلوا لهم وأرادوا كسب ودهم.. ولا اعتبار عندهم لشيء من ذلك.

وكم يكون الصبر مرًا.. لكن العاقبة حميدة.

ولنلتفت مرة أخرى لقصة موسى -عليه السلام- ورد قومه عليه: ( أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا )؛ فقد أراد فرعون أن يمنع نور الله -عز وجل- أن يشرق على المجتمع! أن يحجب الشريعة أن تحكم.. أن يظل المجتمع مسبحًا بحمده! وصار يذبح الذكور من بني إسرائيل كي لا يخرج ذلك الفتى الذي يكون زوال ملكه على يديه، وكان كذلك يستعبد النساء.. ذل وأي ذل! ومع ذلك كان ما أراد الله -عز وجل-.. وانقلب السحر على الساحر وأشرق نور الله ببعثة موسى -عليه السلام-.

( وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا )؛ فالإيذاء إذن مستمر والاستضعاف متواصل، وكان الجواب: ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ )، ومن قبلها قال لهم: ( إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ )، وهنا يقول: ( وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ )، إذن الأرض لله وهو الذي يمكِّن لهذا ويزيل الآخر..

وهو الذي يرفع هذا ويخفض ذاك ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (آل عمران:26) ، ولكن لا يعني ذلك المحاباة والمجاملة، بل لله سنن لا تحابي أحدًا.. فمن أخذ بها سهل وصوله إلى الثمرة والنتيجة.. وهو ما ذكرناه: ( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا )، خذوا دينكم بقوة واستعينوا بالله على ذلك، وما تيسر لكم فعلمتموه وما عجزتم عنه فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وهو ما نريده خاصة في هذه المرحلة: ( خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ) (البقرة:63) .

واجتهدوا في العمل من أجل الدين، ومع ذلك وقبله وبعده ( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا )، وليترسخ في قلوبكم أن الأرض لله يورثها من يشاء ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) (الصافات:171-173) .

فلم الوهن؟ ولم الحرص -وفقط- على طرق أبواب بعينها والتركيز على ذلك وإهمال المتاح والمتيسر؟!

ولنتذكر دومًا أن ( الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )، إذن لنبحث في نفوسنا.. في ذواتنا وذوينا عن معاني التقوى؛ إن تحققها وسيلة وسبب لزوال الظلم والطغيان وعودة الشرع مرة ثانية محكمًا معظمًا.. العاقبة للمتقين دنيا وأخرى.. مع البذل والتضحية: إما النصر وإما الشهادة.. في الآخرة الجنة، ونعم المآل. ثم وإن كان الاستخلاف.. فهل إمكاناتنا تتوافق مع حاجات الأمة وتعطشها الشديد للإسلام؟

لو حكم الإسلام وساد فكم عدد العلماء والدعاة وطلاب العلم الذين تحتاجهم الأمة لتعليم الناس أمور دينهم؟! هذا المليار الموجود الآن بل يزيد.. هل يتناسب مع طاقات الدعاة والدعوة وحاجاتها؟ كلا والله كم في المليون من عالم؟ وكم يحتاج هذا العدد من العلماء؟ ولا تمكين أبدًا بدون علم وفقه لكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ لا قيام للأمة إلا بذلك، ثم تأتي عوامل أخرى وأسباب تتلوها في المنزلة والمكانة.. فكيف إذن تسفه جهود الدعاة إذا انشغلوا بتعليم الناس الدين واجتهدوا في دعوتهم إلى الله -عز وجل- وأن يدخلوا في السلم كافة؟ وهل هذا يتعارض مع ما يفعله البعض الآخر من وسائل مشروعة لخدمة الدين؟

وهل ما نفعله إلا طريق النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحبه؟

وإلا فالمعترض على ذلك ماذا يقول عن قول الله -تعالى-: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.. ) (القصص:7) ، وقد جاءت بعد ذكر ما يفعله فرعون من ظلم وطغيان، وما يستلزمه ذلك من حل سريع بإهلاك فرعون مثلاً.. لكن الله -تعالى- يعلمنا قضية الأسباب والبذل والتدرج وغيرها من السنن الكونية، كان هلاك فرعون من أول هذه الآية: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ.. ) أي أن موسى -عليه السلام- يُربى لفرعون! وهل ينتظر الناس كل ذلك؟!

هذه سنن الله.. حتى يتربى موسى ويشب ويبعث ثم يرسل لفرعون، وتكون المواجهات والتغيير -بإذن الله-.. فهل إذا قلنا: نربي الناس أو نربي أطفالنا من الآن ليزال الظلم والطغيان على أيديهم نكون مقصرين؟!

هل إذا فعلنا ما قدرنا عليه نلام؟!

نجتهد في الأسباب المتاحة، والأمر لله -تعالى-.. أهلَكَ فرعون أم أبقاه؟ فله الحكمة في كل ما يفعل -سبحانه-.

ولذا نجد الآيات: ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ )، وليس ذلك على الله ببعيد في كل زمان ومكان.. وإذا هلك وأهلك هذا العدو البغيض، وحدث الاستخلاف ( فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ )، ألا نسأل أنفسنا كيف سنعمل إذا وسد الأمر إلينا؟

الصفحة السابقة الصفحة التالية