شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إيذاء الكافرين للرسل وأتباعهم

علاء الدين عبد الهادي • من نور الوحيين

طريقة أهل الكفر والعناد في معارضة الأنبياء وأتباعهم (4)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى- مرشدًا عباده المؤمنين: ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ) (آل عمران:186) ، وفي هذا لا شك تثبيت للمؤمنين، وإمداد لهم بما يحتاجونه من وقاية عقدية وإيمانية ونفسية، كما وعدهم بالجزاء العظيم إن هم ثبتوا في مواجهة الإيذاء، فقال: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) (آل عمران:186) .

وذلك الأذى الكثير ما زال المجرمون يحاولون به النيل من المؤمنين ( وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (البقرة:212) ، ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ . وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ . وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ . وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ . وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ) (المطففين:29-33) .

وكما سخروا من الإيمان وأصحابه، سخروا أيضًا من شعائر الله الظاهرة: ( وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) (المائدة:58) ، وربما سموها قشورًا وسفاهة، وشككوا في حكمتها واستصغروا شأنها، وحقًا قال ربنا: ( إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ) (الممتحنة:2) ، فلقد عادوا ولقد بسطوا ولقد ودوا، وهم ( لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاً وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ ) (التوبة:10) .

فحسبك الله يا سالك الطريق حينما تسمع منهم سبًا وتسفيهًا لدينك.. وحسبك الله حينما تسمع تشكيكًا في عقيدتك وتشويشًا.. وحسبك الله حينما تسمع انتقاصًا لك وللسائرين معك في الطريق الذي جمعك بهم، فإن سخروا فقل كما قال نوح -عليه السلام-: ( إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ . فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) (هود:38-39) ، وإن آذوك فقل كما قالت الأنبياء: ( وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ ) (إبراهيم:12) ، واعلم أنك في النهاية منصور ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) (الزمر:36) .

هذا ومن صور الإيذاء.. المكر السيء للمؤمنين:

قال -تعالى-: ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا . وَأَكِيدُ كَيْدًا . فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ) (الطارق:15-17) ، ما أشد مكرهم بالليل والنهار؛ إذ يحاولون ثني الأنبياء وأتباعهم المؤمنين عن دينهم بطرق ملتوية، وبأيد خفية؛ ظانين أنهم بذلك سينالون أهل الإيمان بكيد أو يصيبونهم بما يشفي غلهم نحو هؤلاء الأتقياء الطاهرين، فراحوا يدبرون لهم مرة من بعد مرة في كل زمان ومكان: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) (الأنعام:123) .

فقد يكون هذا المكر منطويًا على خديعة أو وقيعة بين المؤمنين، وقد يكون مكرهم إرادة إيذاء للمؤمنين في أنفسهم وأهليهم وأحبابهم، وقد يكون صدًا عن سبيل الله وتشويهًا للدعوة والدعاة إلى الله، وقد يكون محاولة منهم في استخدام المؤمنين بما يخدم أهدافهم ( وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ . فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ) (الزخرف:49-50) ، وكم هي كثيرة طرقهم الملتوية وحيلهم الشيطانية التي تتفتق عنها أذهانهم الخبيثة.. وكم فعلوا الأفاعيل، وكم صنعوا المكائد.. ( وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ) (نوح:22) .

وما من مرة ذكر الله -تعالى- في القرآن مكرًا مكروه أو كيدًا فعلوه إلا وأتبعه بذكر أنه -تعالى- سيبطله: ( مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ) (يونس:81) ، فكم مكروا وكادوا.. وكم دبروا وخططوا.. وكم بيتوا بليل: ( اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ) (فاطر:43) .

وهذه هي سنة الله الكونية في خلقه: ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) (فاطر:43) ، وكما حدث ذلك معهم حدث مع من قبلهم ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ) (فاطر:44) ، أم لم يتفكروا في أنفسهم وأسلافهم: ( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (آل عمران:54) ، شانهم كشأن كل مَن مكر وكاد فكان جزاؤه من جنس عمله ( أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الْمَكِيدُونَ ) (الطور:42) .

الصفحة التالية