إيذاء الكافرين للرسل وأتباعهم
علاء الدين عبد الهادي • من نور الوحيين
ها هو النبي صالح -عليه السلام- التقي النقي يكيده قومه: ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ . قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ . وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ . فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) (النمل:48-53) .
وها هو إبراهيم -عليه السلام- أبو الأنبياء الموحد الحنيف يكيده قومه ويريدون إيذاءه: ( فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَسْفَلِينَ ) (الصافات:98) ، ( وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ ) (الأنبياء:70) .
وها هو الرجل الصالح من قوم فرعون آمن ودعاهم إلى الله ونصر موسى -عليه السلام-؛ فأرادوا به مكرًا: ( فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ) (غافر:45) ، وكذلك ينجي الله المتقين، وكذلك ينصر الحق وأهله: ( ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ) (محمد:3) .
ما أضعف مكرهم حينما يظنون أنه قد بلغ بهم الدهاء مبلغه ( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) (إبراهيم:46) ، ( ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ) (الأنفال:18) ، وحال هؤلاء كحال من سبقهم حينما رد الله كيدهم في نحورهم ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) (النحل:26) ، ذلك في الدنيا ( ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ ) (النحل:27) ، وتالله إن لنا لعبرة بما ذكر الله لنا من بوار كيدهم الذي يراه كل عاقل بعينيه ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) (الأنفال:36) ، ( وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ) (فاطر:10) .
فإلى هؤلاء الكائدين وأصحاب المكر السيء يقول ربنا -تبارك وتعالى- وهو يعظهم زاجرًا: ( أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ . أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ . أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (النحل:45-47) .
وإلى كل المؤمنين الصادقين يقول ربنا -تبارك وتعالى- وهو يعظهم مؤمِّنا: ( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ . إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) (النحل:127-128) ، والله حسبنا وهو نعم الوكيل.
ومن ذلك أيضًا.. الملاحقة والسجن والتضييق:
كان دائمًا التضييق على الأنبياء وأتباعهم واستضعافهم أحد المفردات التي أكثر الكافرون استخدامها في كل عصر؛ فقد وصف الله بعض المؤمنين من الصحابة المستضعفين بقوله: ( إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ) (النساء:98) ، وذكر حالهم ودعائهم متضرعين: ( وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ) (النساء:75) .
وكان ضمن هؤلاء الضعفاء من عرفنا ومنهم من لم نعرف، بل ولم يعرفه الصحابة أنفسهم -رضي الله عنهم- إذ استخفوا بإيمانهم: ( وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (الفتح:25) ، ولقد كان ذلك ابتلاءً عظيمًا وفتنة ممحصة للمسلمين الأوائل: ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) (النحل:110) ، ومن شدة البلاء أباح الله برحمته للمسلمين المستضعفين أن يتفوهوا بالكفر اضطرارًا إن هم أكرهوا على قوله بألسنتهم مع استقرار الإيمان فيه ( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) (النحل:106) .
وذكَّر الله -تعالى- عباده المؤمنين بما امتن به عليهم من نعمة الأمن في مجتمع المدينة بعد أن كانوا لا يأمنون على أنفسهم وهم مستضعفون: ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (الأنفال:26) .
الطرد والإبعاد:
وأما التهديد بالطرد من الأوطان والتشريد في البلدان فلا يكاد يخلو منه رسول مبعوث: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ . وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) (إبراهيم:13-14) .