شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إشكالية تربية الأولاد وأزمة الجيل الناشئ

الشيخ سعيد عبدالعظيم • المرأة والأسرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا يدخر الآباء وسعًا في القيام على مصالح أبنائهم المادية مِن: طعام وشراب، وملبس، ومسكن، وتعليمهم -أيضًا-: الطب، والزراعة، والهندسة.. بل مساعدة الأبناء -أحيانًا- في الزواج، ويرون بعد ذلك أنهم قد أدوا كل ما عليهم، وما عسى الواحد منهم إلا أن يموت قرير العين، ومِن عجيب الأمر أن الوالد لا يمل أبدًا من نصح ابنه بالمذاكرة وإتقانها حتى يتفوق في دراسته، بينما هو لا يكلف نفسه أن ينصحه مرة بالمحافظة على الصلاة أو تلاوة القرآن أو غض بصره عن الحرام، وإذا قيل له ذلك؛ قال: "كل إنسان معلق من عرقوبه"!

وهذا الذي نحكيه ليس خيالاً، ولا هو حالة فردية، بل هذه حالة الأعم الأغلب من الآباء، كلهم يفرح لنجاح ولده في الامتحان وحصوله على الشهادة الجامعية، ويحزن بشدة لرسوبه في دراسته، بينما هو لا يحزن إذا فرط ابنه في صلاته، بل قد يصده ويصرفه عنها بزعم أنها ستضيع وقته!

عققناهم صغارًا؛ فعقونا كبارًا:

إنها إضاعة للأمانة، وصورة فجة من صور المادية المعاصرة، وإهدار لمعاني التربية الإيمانية الصحيحة، وعقوق للأبناء، ولذلك؛ لا نستغرب إذا عقونا كبارًا!

لقد انفصلت الدنيا عن الآخرة، وأصبحت الدنيا هي كل همنا، ومبلغ علمنا، وتوهمنا -مع ذلك كله- أننا نحسن الصنع ونؤدي واجبنا بأمانة وإتقان! أين نحن من قول الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) (التحريم:6) ؟! وفي الحديث: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) (متفق عليه) ، ولن تزول قدما ابن آدم من عند الله حتى يسأل كل راعٍ عما استرعاه حفظ أم ضيع.

وقد أمر -سبحانه- بأداء الأمانة، فقال: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) (النساء:58) ، ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً ) (الأحزاب:72) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( آيَةَ الْمُنافِق ثَلاثٌ: إِذا حَدَّثَ؛ كَذَب، وَإِذا وَعَد؛ أَخْلَفَ، وَإِذا اؤْتُمِنَ؛ خَانَ ) (متفق عليه) ، وفي رواية: ( وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ) (رواه مسلم) .

لا بورك في دنيا تأتي على حساب الدين:

لا مانع -أبدًا- من إتقان الدراسة والأخذ بأسباب النجاح والفرحة بالحصول على الشهادة الجامعية، ولكن أين الحرص على الصلاة والتقوى، والتزام طاعة الوقت من صلاة وتلاوة القرآن؟! وهل هناك تعارض في ذلك؟ كلا، فلكل مقام مقال، ولا بورك في دنيا تأتي على حساب الدين.

والوالد جزاه الله خيرًا على إحسانه لأولاده بالطعام والشراب والمسكن، ولكن أين حرصه على إقامتهم على دين الله، وقيادة المنزل قيادة إسلامية، وتربيتهم على كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وزجرهم عن مخالفة الشرع الحنيف؟!

الولد من سعي والديه وكسبهما:

فالولد الصالح هو خير ثروة للإنسان في حياته وبعد مماته، ولذلك؛ يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ؛ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ) (رواه مسلم) ، والذرية الصالحة يُجمع شملها مع آبائها الصالحين في الجنة: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) (الطور:21) ، وفي تفسير قوله -سبحانه-: ( وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ) (يس:12) ، ( وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ) (النجم:39) :

قال العلماء: إن ابن الإنسان من سعيه وكسبه، وهو من جملة آثاره، ولذلك؛ فعمله الصالح ينتفع به الوالدان دون أن ينقص من أجره شيء، ولو أساء الابن؛ فعليه إساءته طالما قاما بحقه في التربية الصالحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (النجم:38) .

بعض أسباب صلاح الأبناء:

ومن دعاء المؤمنين: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) (الفرقان:74) .

وقد استحب العلماء الفتح على الصبي بكلمة الحمد والشهادة، وتعليمه معاني السيرة، وتحفيظه القرآن والحديث، وتعويده الأخلاق والآداب الإسلامية، وفي وصية لقمان لابنه: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) (لقمان:17) .

1- حسن اختيار الزوجة:

وحرص المسلم على الولد الصالح يجعله يُحسن اختيار الزوجة، وأن تكون ذات دين، ولأن المرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، وكما قال الشاعر:

الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق

هذه الأم ستربي ابنها على البر والخير وعلو الهمة، كحالة هند بنت عتبة -رضي الله عنها- عندما دخل عليها أحد أقاربها، وكانت تحمل صغيرها معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما-، فقال لها: "إن عاش معاوية؛ ساد قومه"، فقالت: "ثكلته إن لم يسد إلا قومه"!

وكحالة أم سفيان الثوري التي قالت لابنها: "يا بني، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي"، وكانت تتخوله بالموعظة والنصيحة، وتقول له: "يا بني، إذا كتبت عشرة أحرف؛ فانظر: هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك؛ فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك".

2- أهمية الدعاء والذكر في ذلك:

ثم هو يستن بسنن الأنبياء والمرسلين في دعائهم وسؤالهم ربهم الولد الصالح، كما في دعاء زكريا -عليه السلام-: ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) (مريم:5-6) ، والعبد إذا ألهم الدعاء؛ فإن الإجابة معه: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (غافر:60) .

الصفحة التالية