شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

عوامل الثبات عند الفتن (خطبة مقترحة)

الشيخ ياسر برهامي • خطبة الأسبوع

هـ- التمسك بالقرآن والعناية به: قراءةً وفهمًا، وتدبرًا وحفظًا، وتعاهُدًا واستدلالاً وعملاً؛ فبحسب نصيبك من القرآن يكون نصيبك من النور؛ قال الله -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (الشورى:52) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ) (النساء:174) ، وقال: ( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) (التغابن:8) ، وقال: ( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الأعراف:157) .

وكما سَمَّى الله -عَزَّ وجَلَّ- كتابه العزيز "نورًا"؛ فقد سَمَّاه "بصائرَ"؛ فقال: ( قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) (الأنعام:104) ، وقال: ( هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (الجاثية:20) ؛ فتأمَّلْ هذا تعلم العلاقةَ بين القرآن والبصيرةِ، وقد صَحَّ عن عبد الرحمن بن أَبْزَى قال: قلتُ لأُبَيِّ بن كَعْب لَمَّا وَقَع الناسُ في أمر عثمان: أبا المُنذِر، ما المَخرَج؟ قال: "كتابُ الله، ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فَكِلْه إلى عالِمه" (التاريخ الأوسط للبخاري 1/64) .

وقال أبو مسعود لحذيفة -رضي الله عنه-: "إن الفتنة وقعتْ؛ فحدثني ما سَمِعتَه"، قال: "أَوَلَم يأتكم اليقينُ؟ كتابُ الله -عَزَّ وجَلَّ-" (حلية الأولياء 1/274) .

و- كثرة العبادة: خاصَّةً الصلاة وإطالة السجود؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالصَّلاَةُ نُورٌ ) (رواه مسلم) ؛ فإذا اشتبهت عليك الأمور، ولم تَدْرِ كيف تسير؛ فافزع إلى الصلاة؛ فلقد " كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى " (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) .

وقال الله -تعالى-: ( وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) (العلق:19) ؛ فكلما اقترب العبد من ربه؛ رأى الأمورَ على حقيقتها، وقَدَرَها حَقَّ قَدْرِها، ووَزَنَها بميزان الحق. وكلما أخلد إلى الأرض ولم يرتفع واتبع هواه؛ التبس عليه الحقُ بالباطل، وتَرَكَ الحقَّ.

ز- الصِّدق، والصَّبر -ومنه الصَّوْم-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ ) (رواه مسلم) ، والصَّوم هو نِصف الصبر.

ح- غَضُّ البَصَر، وحِفظُ الفَرْج، وتَجَنُّبُ الاختلاط المُحَرَّم: فإن أثر هذا النوع من المعاصي -خصوصًا في عَمَى القلب- معلومٌ لدى أهل الإيمان؛ ألم ترَ كيف حان عذابُ قوم لوط وهم كما قال الله -تعالى-: ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (الحجر:72) ؟!

وتأمَّلْ كيف جعل الله أحكامَ غَضِّ البصر وحفظ الفرج، وعقابَ الزِّنا، وآدابَ الاستئذان، والأمرَ بالحجاب وتركِ الاختلاط، والأمرَ بالزواج والعِفَّةِ، والنهيَ عن البِغَاء في سورة النور التي تتضمن آيةَ النور عقب هذه الأحكامِ العظيمة! لذا قال بعض السلف: "مَن غَضَّ بَصَرَهُ عن المَحارِم أطلقَ اللهُ نُورَ بَصِيرَتِه".

2- ومن عوامل الثبات: الصلة بالله -عَزَّ وجَلَّ-:

فكما أن صلة العبد بربه تُقَوِّي بصيرتَه؛ فكذلك هي من المُثَبِّتات في أزمنة الفتن؛ قال الله -سبحانه وتعالى-: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ) (النساء:66) ، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا؛ يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ) (رواه مسلم) ، وقال: ( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ) (رواه مسلم) ؛ والهَرْج: الفتنة واختلاط أمور الناس.

ويروى أن الفتنة لما وقعت؛ قال طَلْقُ بن حَبِيب: "اتَّقوها بالتقوى".

وصاحب الأعمال الصالحة لا يُخزيه الله أبدًا؛ ففي حديث بدء الوحي قالت خديجة -رضي الله عنها- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَلاَّ أَبْشِرْ! فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ" (متفق عليه) .

- في أعقاب معركة اليرموك وقف ملك الروم يُسائِل فُلُول جيشه المهزوم: ويلكم! أخبروني عن هؤلاء الذين يقاتلونكم، أليسوا بَشَرًا مثلكم؟! قالوا: بلى أيها المَلِك، قال: فأنتم أكثر أم هم؟! قالوا: بل نحن أكثر منهم في كل موطن، قال: فما بالكم إذن تنهزمون؟! فأجابه شَيْخٌ مِن عظمائهم: إنهم يهزموننا؛ لأنهم يقومون الليلَ، ويصومون النهارَ، ويوفون بالعَهْد، ويَتَنَاصَفون بينهم. (البداية والنهاية 7/15) .

- ومن العبادات التي لها خصوصية في دفع الفتن ورفعها والثبات عند وقوعها:

أ- الصلاة: فلقد " كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى " (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) .

وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "لَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ بَدْرٍ وَمَا مِنَّا إِنْسَانٌ إِلاَّ نَائِمٌ! إِلاَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى شَجَرَةٍ وَيَدْعُو حَتَّى أَصْبَحَ، وَمَا كَانَ مِنَّا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرَ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ!" (رواه الإمام أحمد، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية