عوامل الثبات عند الفتن (خطبة مقترحة)
الشيخ ياسر برهامي • خطبة الأسبوع
ب- الدعاء والتَّضَرُّع: قال الله -تعالى-: ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ ) (الأنفال:9) ، وقال: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام:42) ، وقال: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (غافر:60) .
وهكذا كان فِعْلُ الأنبياء والصالحين على مَرِّ الزمان؛ قال -تعالى- عن نَبِيِّهِ نوح -عليه السلام-: ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ) (القمر:10) ، وقال عن نَبِيِّهِ ذي النون -عليه السلام-: ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ) (الأنبياء:87) ، ثم أخبرنا -عَزَّ وجَلَّ- بالطريق: ( وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) (الأنبياء:88) .
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ الدُّعَاءِ ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني) .
- وكذلك التَّعَوُّذ من الفتن: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) (رواه مسلم) .
إِذَا اعْتَصَمَ الْمَخْلُوقُ مِنْ فِتَنِ الْهَوَى بِخَــالِقِهِ نَجَّـــاهُ مِنْهُـــنَّ خَــالِقُه
ج- الذِّكْر: قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الأنفال:45) ، وهذا أمرُ الله لنَبِيِّهِ موسى -عليه السلام- حيث لقاؤه بطاغوت عَصْرِه: ( اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلاَ تَنِيا فِي ذِكْرِي اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ) (طه:42) .
- يُنَبِّه الخطيب الناس إلى عدم الانشغال عن العمل الصالح بتتبع الأخبار و"القيلِ والقالِ"، و"سمعت ورأيت وأتوقع" وغير ذلك مما يولع به الناس في مواطن الفتن والنوازل.
ومتابعة أخبار المسلمين والانشغال بهمومهم على أهميته لا ينبغي أن يشغلنا عن السبب الرئيس من أسباب خروج الأُمَّة من أَزَمَاتها. كما يُنَبِّه إلى أن النَّفسَ في أوقات الفتن -خصوصًا- إن لم يبادِر المؤمن بإشغالها بالحق شَغَلتْه بالباطل ولابد.
3- ومن عوامل الثبات: الرجوع إلى أهل العلم، وعدمُ سؤال الجُهَّال:
قال الله -تعالى-: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (النحل:43) ، وقال: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (النساء:83) ؛ وأولو الأمر: هم العُلَمَاء الربانيُّون والأُمَراء الذين يقودون الناس بكتاب الله.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا؛ اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا! ) (متفق عليه) .
إن ذهاب العِلم مُقتَرِنٌ برَوَاج الفتن، وإن الالتحامَ بالعلماء عِصمةٌ للأُمَّة مِن الضَّلال؛ فالعلماء سفينةُ نوح؛ مَن تَخَلَّفَ عنها -لا سيما في زمان الفتن- كان مِن المُغرَقِين.
قال الحسن البَصْري: "الدنيا كلها ظُلمةٌ إلا مَجالسَ العلماء". وقال كذلك: "الفتنة إذا أَقبلتْ عَرَفها كلُّ عالِم، وإذا أَدبرتْ عَرَفها كلُّ جاهل"؛ لذلك فالصُدُور عن توجيهات أهل العلم مِن أهم سُبُل الوقاية من الفتن، والعِصمة من الزَّيْغ والضلال.
4- ومن عوامل الثبات: الصبر والاحتساب:
لا يمكن أن يخلو طريق المؤمن مِن بلاء ومحنة؛ قال الله -تعالى-: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ) (العنكبوت:2) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:153) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (آل عمران:200) ، وقال: ( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ) (الفرقان:20) ، وقال: ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) (النحل:110) ، وقال: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (السجدة:24) .
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
- والصبر ثلاثة أنواع :
أ - الصبر على الطاعات .
ب- الصبر عن المعاصي .
ج- الصبر على أقدار الله المُؤْلِمَة .
- والصبر يتضمن ثلاثة أشياء:
أ- حبس القلب عن الجزع والتسخط .
ب- حبس اللسان عن الشكوى للناس .
ج- حبس الجوارح عن فعل المعاصي وانتهاك الحرمات .
من فوائد الصبر:
- ضبط النَّفس عن السَّأم والملل، لدى القيام بأعمال تتطلَّب الدَّأب والمثابرة خلال مدَّة مناسبة، قد يراها المستعجل مدَّة طويلة.