شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أحكِموا السفينة.. فإن الأمواج عاتية

محمد القاضي • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن سفينة دعوتنا تواجه أثناء سيرها الأمواج المضطربة والرياح العاصفة المتمثلة في الابتلاءات والفتن، والشبهات المثارة، والشهوات المعروضة، وهي محكومة مِن ناحية أخرى: بإدارة الربان، وما تُتخذ مِن قرارات مِن قِبَل قادتها الأفاضل.

وعليه فهي تتأثر بكل حركة تقع فيها وحولها، فتهتز مرة ذات اليمين، وتهتز مرة ذات الشمال، وقد تستقيم على الجادة أحيانًا، أو تغيب مؤقتًا أحيانًا أخرى، ولن تُكتب لها السلامة والاستواء فوق الموج المضطرب حتى يكون كل شخص فيها على حذر مما يفعل، ويقظة لما يريد، وأن نعلم جميعًا أن لنا أعداءً خارج سفينتنا يتربصون بنا الدوائر، ويسعون جادين لتخريبها وإفسادها.

وأسهل وسيلة لتحقيق هدفهم أن يجدوا مِن أصحاب السفينة وربانها مَن يساعدهم في ذلك، فهناك الكثير مِن أبناء الدعوة ممن ينتسبون إليها، ويتحركون بين كنفاتها يتعاملون مع المواقف الحرجة مِن المنطلق العاطفي دون التدقيق في مآلات الأمور، وهم في الحقيقة بهذا الاندفاع العاطفي يمثلِّون ضغطًا كبيرًا على الخطاب الإسلامي قد يدفعه إلى التهور وعدم النظر في مآلات الأمور.

وهذا ما عبَّر عنه الدكتور "محمد إسماعيل" -حفظه الله- في تعليقه على الأحداث الأخيرة بقوله: "فهؤلاء العامة تسوقهم العواطف، وتحكمهم المواقف الآنيّة، فيدفعون بالخطاب الإسلامي إلى العجلة، وسوء تقدير العواقب، والمبالغة في تقدير قدرات الذات، والتقليل من إمكانات الغير".

والذي ينبغي أن ندركه تمامًا في هذه الأوقات العصيبة، والمراحل الحرجة من حياة الدعوة: أننا في هذه الأوقات نحتاج إلى علمائنا وحكمائنا أشد ما تكون الحاجة؛ فإن الله -تبارك وتعالى- حثَّ المؤمنين على أن يتثبَّتوا في الأمور قبل إذاعتها، وأن يُرجعوا الأمور إلى علمائهم وحكمائهم؛ فإن في ذلك سببًا في حفظ الدعوة والدعاة من اتباع الأهواء، والسقوط في حبائل الشيطان.

البعض تسوقهم العواطف، وتحكمهم المواقف الآنيّة، فيدفعون بالخطاب الإسلامي إلى العجلة، وسوء تقدير العواقب، والمبالغة في تقدير قدرات الذات، والتقليل من إمكانات الغير

فقد قال -تعالى-: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً ) (النساء:83) .

قال الشيخ السعدي -رحمه الله- في بيان معنى هذه الآيات: "هذا تأديب مِن الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر مِن الأمور المهمة، والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة؛ عليهم أن يتثبتوا، ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم، والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور، ويعرفون المصالح وضدها، فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطًا للمؤمنين، وسرورًا لهم، وتحرزًا من أعدائهم؛ فعلوا ذلك.

وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة، أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته؛ لم يذيعوه، ولهذا قال: ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ )، أي: يستخرجونه بفكرهم، وآرائهم السديدة، وعلومهم الرشيدة.

وفي هذا دليل لقاعدة أدبية؛ وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور؛ ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك، ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم؛ فإنه أقرب إلى الصواب، وأحرى للسلامة من الخطأ.

وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام، والنظر فيه: هل هو مصلحة فيُقْدِم عليه الإنسان، أم لا فيحجم عنه؟

ثم قال -تعالى-: ( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ) أي: في توفيقكم وتأديبكم، وتعليمكم ما لم تكونوا تعلمون؛ ( لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا ً)؛ لأن الإنسان بطبعه ظالم جاهل، فلا تأمره نفسه إلا بالشر، فإذا لجأ إلى ربه، واعتصم به، واجتهد في ذلك؛ لطف به ربه، ووفَّقه لكل خير، وعصمه من الشيطان الرجيم".

وقال الشوكاني في فتح القدير ما ملخصه:

"قوله: ( وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ ): يقال: أذاع الشيء وأذاع به: إذا أفشاه وأظهره، وهؤلاء هم جماعة مِن ضعفة المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئًا مِن أمر المسلمين فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوّهم، أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين وقتلهم؛ أفشوه، وهم يظنون أنه لا شيء عليهم في ذلك.

قوله: ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ ): وهم أهل العلم والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم، أو هم الولاة عليهم؛ ( لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ )، أي: يستخرجونه بتدبيرهم وصحة عقولهم، والمعنى: أنهم لو تركوا الإذاعة للأخبار حتى يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الذي يذيعها، أو يكون أولي الأمر منهم هم الذين يتولون ذلك؛ لأنهم يعلمون ما ينبغي أن يفشى، وما ينبغي أن يكتم.

وقيل: إن هؤلاء الضعفة كانوا يسمعون إرجافات المنافقين على المسلمين فيذيعونها، فتحصل بذلك المفسدة.

وأخرج عبد بن حميد، ومسلم، وابن أبي حاتم، من طريق ابن عباس، عن عمر بن الخطاب قال: "لما اعتزل النبي -صلى الله عليه وسلم- نساءه؛ دخلتُ المسجد، فوجدت الناس ينكتون بالحصا، ويقولون: طلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نساءه، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية: ( وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر".

الصفحة التالية