أحكِموا السفينة.. فإن الأمواج عاتية
محمد القاضي • مع الدعاة
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في الآية، قال: "هذا في الإخبار إذا غزت سرية من المسلمين؛ أخبر الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمون مِن عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدوّ من المسلمين كذا وكذا، فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- هو يخبرهم به".
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك: "( وَإِذَا جَاءهُمْ ) قال: هم أهل النفاق"، وأخرج ابن جرير، عن أبي معاذ مثله.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ( وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان ) قال: "فانقطع الكلام، وقوله: ( إِلاَّ قَلِيلاً ) فهو في أوّل الآية يخبر عن المنافقين، قال: ( وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ ) ( إِلاَّ قَلِيلاً ) يعني: بالقليل المؤمنين".
فهذه دعوة إلى التعقل، والنظر في مآلات الأمور، ورد الأمور إلى أهل العلم؛ حتى تكون ردود الأفعال في أي موقف مِن المواقف موافقة للكتاب والسنة، ولا تتحكم فيها العاطفة فقط، وحتى تلتف الأمة حول علمائها، وتُقدِم بإقدامهم، وتحجِم بإحجامهم؛ فإن السير في ركاب العلماء يعطي للدعوة ميزة هي في أمسِّ الحاجة إليها؛ ألا وهي: البصيرة التي تُنجي مِن الحيرة، وتُنير الطريق أمام الدعاة، وطلبة العلم، وعوام الأخوة، والناس جميعًا؛ للوصول إلى بر الأمان، وحماية الدعوة والدعاة من مكر الأعداء وغدر الخبثاء، قال -تعالى-: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (يوسف:108) .
فقد وجدنا مِن إخواننا مَن يقول في ظل هذه الأزمات: "إلى متى نظل نردد هذه العبارات، مثل: الصبر، والدعاء، والنظر في مآلات الأمور، إلى غير ذلك من العبارات"، ومثل هذه المقالات تحتاج في الحقيقة إلى توبة؛ فطاعة الوقت تُوجب على كل مكلف وعلى جماعة المكلفين ما يلزمهم أداؤه في ظل ما أعطاهم الله من القوة والقدرة؛ فإن الله لا يكلف نفسًا إلا ما أتاها.
وهذا لا يعني مِن قريب ولا بعيد أن نتوقف عن العمل بالإسلام وللإسلام؛ فإن ما يقلق الأعداء في الداخل والخارج هي هذه الأعداد الغفيرة مِن الملتزمين بالإسلام والمتمسكين بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- العدنان، ولكن ينبغي أن يكون العمل موافقًا لهذه الضوابط؛ حتى يكن مرضيًا عند الله؛ فإنما نتقرب إلى الله بموافقة الشرع لا بموافقة العاطفة.
وينبغي أيضًا أن يكون العمل دائمًا متصلاً؛ حتى تصل الدعوة بكل معانيها إلى كل الناس، فالجهود المتصلة هي التي توضح المفاهيم الغائبة عن الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فمِن خلال العمل الإسلامي الرصين يكون الرد على أعداء هذه الدعوة الربانية، وبيان الحقائق والثوابت التي دل عليها الكتاب والسنة، والتي منها: حرمة دماء المسلمين، وحرمة أعراضهم، وأن المسلمين تتكافأ دماؤهم، ويجري بذمتهم أدناهم، وهم يد على مَن سواهم، وأن مَن قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، ومَن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا، وأن مَن قتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا، وأن من عذَّب الناس فلابد أن يعذبه الله في الدنيا والآخرة.
ومِن خلال هذا البيان ظهرت الثوابت التي لا تقبل المساومة؛ مثل قوله -تعالى-: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ) (آل عمران:19) ، ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) ، وقوله -تعالى-: ( لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (الحشر:20) ، وقوله -تعالى-: ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ) (القلم:35) ، إلى غير ذلك من النصوص التي توضح مَن نحب، ومَن نبغض، ومَن نوالي، ومَن نعادي، في نفس الوقت الذي تبين فيه كيف يتعامل المسلم مع غير المسلمين تعاملاً يملؤه العدل، انظر لقوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (المائدة:8)
فهذه دعوة إلى التعقل، والنظر في مآلات الأمور، ورد الأمور إلى أهل العلم؛ حتى تكون ردود الأفعال في أي موقف مِن المواقف موافقة للكتاب والسنة
فالعدل أساس الملك وبه قامت السموات والأرض، فنبيع ونشتري، ونتعامل بالعدل الذي أمر الله به، ونسالم من سالمنا، ونسامح مَن تعامل معنا بالسماحة، وهناك قضايا كثيرة غير ما أشرنا إليه انتشر العلم بها جزئيًّا بين الناس، ولابد من استكمال مشوار البيان؛ ليحيى من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة، وكما قال -تعالى-: ( وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ) (الأنعام:55) .
فنحن لا نتكلم بالأهواء، ولا بالأطروحات العقلية المتجردة عن الاستدلال؛ بل نتكلم باللغة الشرعية المفعمة بالأدلة من الكتاب والسنة والقياسات العقلية الصحيحة على ذلك، ومِن هنا كان الخطاب مقنعًا لكل من سمعه ووعاه؛ فإنه يجد نفسه مضطرًا إلى التسليم له، إلا أن يكون في نفسه هوى يمنعه من التسليم للنصوص الصريحة، ولفهم أعلم الناس بالنصوص؛ وهم: سلف هذه الأمة مِن الصحابة، والتابعين، ومَن تبعهم بإحسان ممن جاء بعدهم إلى يوم الدين.
وهذا الفهم الصحيح لدين الإسلام هو الذي يعطي هذا العمق لمواقف هذه الدعوة المباركة خلال العقود الماضية، وسوف يظل -بإذن الله- في العقود القادمة طالما ظل الأبناء يحافظون في دعوتهم إلى الله على هذه الرصانة، ويتمسكون بما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتمسك به ( فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .