تأملات في المشهد التونسي
الشيخ سعيد عبدالعظيم • قضايا معاصرة
وَاهِمٌ مَن يظن أن شره وفساده في الرشوة والمحسوبية، والاستيلاء على المليارات، والقمع والتعذيب؛ فالانحراف عن دين الله سبب كل دمار وهلاك، وتمكينه لامرأته وعائلتها من التسلط على البلاد والعباد شر آخر، و( لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً ) (رواه البخاري) .
نسي العلمانيون في وسائل الإعلام ذلك كله، وركَّزوا على حالة الجوع، فصلوا بين المرض وأعراضه، ولم يُحسنوا تقديم الأهم على المهم، وكان الواجب أن ينطقوا مِن خلال ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أرادوا تشخيص الداء ووصف الدواء؛ حتى لا نكون ممن يفسر الماء بعد العسر بالماء، أو كمن يعالج الداء بداء آخر، فلقد رحل "ابن علي"، ونخشى أن يكون الطابور الذي يخلفه طويلاً وعلى شاكلته، وقد رباه على عينه كما تربى هو على يد "بورقيبة".
فإذا أجاز العلمانيون الثورة بسبب الجوع؛ فهل أجازوا مثل ذلك أو حتى تكلموا بحرف يوم رأوا الكفر والضلال والصد عن سبيل الله، وقهر المحجبات والملتحين، وتطبيق شرائع الظلم والفساد، أم أن الحرية عندهم هي حرية الرقص والغناء والتبرج والاختلاط؟!
يقبلون تسلط الشيوعيين على البلاد والعباد، ويرفضون أشد الرفض مَن يطالب بتطبيق شرع الله، فالدولة عندهم مدنية، والسيادة لقانون البشر الوضعي، والدين لابد وأن ينزوي في الكهوف، والمساجد لا علاقة لها بدنيا!
يريدون دنيا على هواهم، ووفق أمزجتهم، الأمر الذي يدمر الحاضر والمستقبل، ويحكي حالة التناقض المريب الذي يعيشه كل من انسلخ عن دين الله.
رابعًا: أكدت الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي أنها تتابع بانشغال الأحداث الجارية في تونس البلد المؤسس للمنظمة، وذكرت المنظمة في بيان لها أنها تعتبر هذه الأحداث شأنًا تونسيًا داخليًا، وأنها تؤكد تضامنها مع الشعب التونسي، وتهيب بكل التونسيين العمل على الحفاظ على الأمن والاستقرار، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وصيانة مكتسباتهم، وأعربت منظمة المؤتمر الإسلامي عن أملها في أن تتجاوز تونس هذه الأحداث عبر تضامن شعبها ووحدته، وتطلعاته إلى إرساء الديمقراطية والحكم الرشيد وفقًا لأنظمتها الدستورية والقانونية!
لو قيل هذا البيان أشبه بالـ"مانيفستو" الشيوعي لما أخطأنا، ولو كتبه ديمقراطي أو ليبرالي فلا غرابة، والعجب كل العجب أن ينسب البيان لمنظمة المؤتمر الإسلامي! فما علاقة الإسلام بالتطلعات الديمقراطية، والأنظمة الدستورية والقانونية التونسية؟!
والحال لا يخفى على أحد.
وما هي صورة الحكم الرشيد؟!
لو قالوا: نقصد به الشريعة الإسلامية؛ لقلنا لهم كما قال الأمام أحمد -رحمه الله-: "إذا تكلم العالم تقية والجاهل يجهل؛ فمتى يتبين الناس الحق؟!".
فلِمَ التورية والتعريض؟! وإلا فلو قال الشيوعي: الحكم الرشيد في تطبيق الشيوعية، وقال الديمقراطي: الحكم الرشيد في الدولة المدنية؛ فهذا رأى كل صاحب عقيدة، والديمقراطية دين عند أهلها، ووثن يُعبد من دون الله.
كان الواجب على منظمة المؤتمر الإسلامي أن توضح أن المخرج من الفتنة في التزام شرع الله في الدستور والقانون، فهذا هو دواء الداء، ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) (آل عمران:19) ، ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) ، وما خان أمين قط؛ ولكن اؤتمن غير أمين فخان، والديانة هي أعظم أمانة، وإبلاغ الحق للخلق مهمة الأنبياء والمرسلين ومَن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين.
خامسًا: ورد بجريدة المصري اليوم يوم الأحد 12 من صفر 1432 هجرية تصريحات غاية في الغرابة؛ ففي أسفل الصفحة الأولى كتبوا يقولون: "علماء الأزهر: خلع الرئيس التونسي جائز شرعًا، وإذا استشرى الفساد وجب الخروج على الحاكم!".
ماذا يصنع مَن اقتصر على العناوين الكبيرة؟ فهل سيطبق هذا العنوان على كل من تشابه مع الرئيس التونسي، والشرع لا يفرق بين المتساويين، ولا يساوي بين المختلفين؟!
ولماذا لم يصفوا علماء الأزهر بالتطرف والتشدد ومناصرة الإرهاب؟! أم أن هذه التصريحات قاصرة على تونس؛ لأن الفساد استشرى فيها وحدها؛ ولذلك وجب الخروج على الحاكم؟!
يقولون: "لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين"! وهذا بالإضافة إلى أنه أقصر طريق إلى الكفر، ومع ذلك لا يستطيع مخلوق أن يفصل هذا الفصل المريب، والدليل على ذلك التصريحات المذكورة، ورضا جريدة "المصري اليوم" الليبرالية بها قمة التناقض؛ عندما يقبل الناس بعض الأحكام لموافقتها لهواهم، ويرفضون البعض الآخر، وكلها خرجت من مشكاة واحدة، ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (البقرة:85) .
شأنهم كشأن المنافقين، يعبدون الله على حرف: ( وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (النور:49) .
لقد تقمَّص أصحاب الجريدة دور الإرهابيين هنا! صاروا يؤيدون ما يسمونه هم بالفكر الظلامي الرجعي المتخلف، وهكذا الهوى.. يعمي ويصم!
ماذا يقول أصحاب الطاعة العمياء لولاة الأمور عندما يقرؤون تصريح الدكتور "عبد المعطي بيومي" في نفس الصفحة: "إن قول المولى -عز وجل-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) (النساء:59) لا يعني الطاعة المطلقة للحاكم وأولي الأمر؛ وإنما هذه الطاعة مقيدة بعدم مخالفة تعاليم وأوامر المولى -عز وجل-؛ استنادًا للقاعدة الشرعية: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"؟!