شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في المشهد التونسي

الشيخ سعيد عبدالعظيم • قضايا معاصرة

وأضاف: "عدم تنفيذ الحاكم وعوده في برنامجه الانتخابي يبيح للرعية الخروج عليه وعدم الالتزام بطاعته"! وعلامات التعجب هذه من عندي، وإلا فالبرنامج قد ينطوي على مخالفات شرعية، "وإذا استشرى الفساد وأصبح ظاهرًا أو مخالفًا لأحكام الشريعة؛ وجب الخروج على الحاكم".

وقال الدكتور محمد رأفت عثمان عضو مجمع البحوث الإسلامية، ومجمع فقهاء الشريعة بأمريكا: "إن مبدأ طاعة ولى الأمر في الشريعة الإسلامية ليس مطلقًا؛ بل تحكمه ضوابط وقواعد عامة، منها: عدم الخروج على أحكام الشريعة".

وأكد عثمان أن خلع الرئيس التونسي "زين العابدين بن علي" تم بطريقة أقرب إلى الشرعية، وجائز شرعًا؛ إذ لم يتم استخدام العنف في المظاهرات إلا مِن الأمن.

وذكرت الدكتورة "آمنة نصير" أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر: "أن طاعة ولي الأمر محددة بضوابط، وليست مطلقة، وترتبط بتوفير ولي الأمر سبل الحياة الكريمة وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع".

ولا خلاف بين العلماء على عزل الحاكم إذا أتى كفرًا بواحًا عندنا من الله -تعالى- فيه برهان (*) ، وهو واجبٌ طالما وُجدت المقدرة على عزله وتحققت المصلحة بذلك، وإلا فيسقط الوجوب عند العجز، ومن باب اختيار أخف المضرتين بدفع أعلاهما، ولا ريب أن الأحداث الساخنة في تونس دفعت الأساتذة لتصريحات واسعة تحتمل المزيد من الضبط مثل: "إذا استشرى الفساد وأصبح ظاهرًا.. وجب الخروج"، ومثل: "توفير ولي الأمر سبل الحياة الكريمة وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية"!

من الخطورة بمكان أن تقهر السياسة الدين، وتنقلب الموازين وتنفلت المعايير، وفي حديث عبادة ابن الصامت -رضي الله عنه- قال: "دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ. قَالَ: ( إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ )" (متفق عليه) ، وفي رواية في الصحيحين: " وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ".

وأهمس في أذن الأساتذة الأفاضل: لماذا تأخرت هذه التصريحات حتى ظهرت الثورة في تونس؟! ولماذا لم ينطقوا بها عندما انحرفت تونس عن منهج وشريعة ربها؟!

فقد كان في مقدور منظمة المؤتمر الإسلامي أن توضح أن المخرج من الفتنة في الالتزام بشرع الله، فلا يلتفت إلى تطلعات الشعب حتى إن كان يتطلع إلى كفر فسوف نطبق عليهم الإسلام، فالموضوع ليس بديمقراطية، ولا حكم أغلبية، فقد تكون الشعوب جاهلة لا تعرف مصلحتها.

سادسًا: التعبيرات في هذه الأوقات يجب أن تكون منضبطة بالكتاب والسنة، فعبارة مثل قول أبي القاسم الشابي: "إذا الشعب يومًا أراد الحيـاة فلابد أن يستجيب القدر"، فهو رجل مات شابًا يُقال أنه فجر الثورة التونسية! لا يُمكن أن تقبل منه هذه العبارة، وهذا كلام لا يقال، ولابد من أدب؛ فالقدر نافذ، والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره إيمان واجب، والقدر هو سر الله -عز وجل- في خلقه، لم يطَّلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمُّق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، ومن سأل: "لِمَ فعل؟" فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، فالله -سبحانه وتعالى- ( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) (الأنبياء:23) .

سابعًا: هذه هي نهاية الطغاة والطواغيت، فللظالم قاتل لا يموت، فأين الاتعاظ والاعتبار؟!

لقد عاش "زين العابدين بن علي" بالطول والعرض يعربد، والإعلانات مدفوعة الأجر تسبقه، وتصوير الرخاء الذي تعيشه البلاد والعباد، ثم استفاق على كابوس مزعج؛ فسارع بالهرب ولم يجد إلا السعودية بعد أن لفظته فرنسا!

وهكذا تصنع أمريكا مع عملائها! تعاملهم كما يُعامِل الشيطان الساحرَ، يظل يستخدمه فإذا أدى الدور المنوط به لفظه الشيطان، ومسح بكرامته الأرض على الرغم من أنه وليه، فالعميل الذي هو عدو دينه وحرب على إسلامه يكون أشبه بقطعة الإسفنج التي تتشرب الوساخات؛ فإذا امتلأت قذف بها في سلة المهملات ومزبلة التاريخ غير مأسوف عليها.

ونتمنى لـ"زين العابدين بن علي" أن يكون له من اسمه حظ ونصيب، وأن يسارع هو وأهله بالتوبة إلى الله، ورد الحقوق والمظالم لأهلها، قال -تعالى-: ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ ) (الأنفال:38) ، وإن كان قد خسر الملك والسلطان والجاه؛ فليس له أن يخسر دينه وربه وآخرته، فالبر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديَّان لا ينام، واعمل ما شئت فكما تدين تدان.

ويبقى الدرس البليغ لكل الطغاة والطواغيت عساهم يتوبون، وإلى الله يرجعون.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) وإذا ترك الحكمَ بالشريعة، وضَيَّعَ مقاصدَ الإمامة، ولم يَقُدْ الناسَ بكتاب الله، ولم يَسُس الدنيا بالدين؛ انعزلَ ووجب خلعُه -بالشروط السابقة-، سواءٌ حُكِمَ على عَينه بالكفر أم لا؛ ألا ترى أنه إذا فَقَد بصرَه أو جُنَّ جنونًا مُطبِقًا دائمًا انعزلَ كذلك حتى لو كان مسلمًا عدلاً! إذ العبرة بتحقيق مقاصد الإمامة وسياسةِ الدنيا بالدين.

الصفحة السابقة