شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

في ظلال كتاب "بصائر في الفتن"

محمد سرحان • قرأت لك

للدكتور محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم -حفظه الله-

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

"فما أحوجنا في هذا الزمان المملوء بالفتن والأكدار على أن نستبصر بطبائع الفتن، وكيفية النجاة منها، مِن خلال هدي القرآن الكريم والسنة الشريفة، وكذا هدي الصحابة الكرام -رضي الله عنهم-؛ فإن الفتن تترى كالسحب المتراكمة، وتتواتر عمياء صماء مطبقة كقطع الليل المظلم، أو كالأمواج المتلاطمة، تطيش فيها العقول، وتموت فيها القلوب إلا من عصمه الله -عز وجل-". بهذه الكلمات بدأ الشيخ -حفظه الله- مقدمته موضحًا في كلمات طبيعة الفتن، وكيفية النجاة منها.

لقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته من الفتن (1) :

وقل أن يخلو ديوان من دواوين السنة مِن كتابِ الفتن أو باب الفتن.

قال البخاري -رحمه الله- في صحيحه: "بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ -تَعَالَى-: ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) (الأنفال:25) ، وَمَا كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحَذِّرُ مِنْ الْفِتَنِ".

وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: أَشْرَفَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ: ( هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي أَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ ) (متفق عليه) .

قال النووي -رحمه الله-: "والتشبيه بمواقع القطر في الكثرة والعموم، أي إنها كثيرة، وتعم الناس لا تختص بها طائفة".

الفتن واقعة لا محالة:

الفتن واقعة في هذه الأمة كونًا وقدرًا، ولابد أن يقع ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- كما أخبر، ومِن ثمَّ فلابد من التبصر بها، والاستعداد لها، والحذر منها، بل يجب مضاعفة الحذر منها في عصرنا؛ لأننا صرنا أقرب إلى أشراط الساعة مما كان عليه المسلمون منذ أربعة عشر قرنًا.

عن المقداد بن الأسود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

وعن أمير المؤمنين معاوية -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ بَلاَءٌ وَفِتْنَةٌ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ خَيْرًا لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرًّا لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَتْ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَإِنَّ آخِرَهُمْ يُصِيبُهُمْ بَلاَءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، ثُمَّ تَجِيءُ فِتَنٌ يُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، ثُمَّ تَجِيءُ فِتْنَةٌ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، فَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ؛ فَلْتُدْرِكْهُ مَوْتَتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يَأْتُوا إِلَيْهِ.. ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .

وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ (2) ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا: الْفِتَنُ، وَالزَّلاَزِلُ، وَالْقَتْلُ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، وفي التاريخ الكبير للبخاري: "إن أمتي أمة مرحومة جُعل عذابها بأيديها في الدنيا".

الحذر من الشر باب من أبواب الخير:

قال حذيفة -رضي الله عنه-: "كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي.." (متفق عليه)

ما أحوجنا في هذا الزمان المملوء بالفتن والأكدار على أن نستبصر بطبائع الفتن، وكيفية النجاة منها، مِن خلال هدي القرآن والسنة، وكذا هدي الصحابة

فـ"الدفع أسهل من الرفع"، و"التخلية مقدمة على التحلية"، و"الوقاية خير من العلاج"، وأحيانًا تكون العلاج الوحيد، والخبرة بالظلام تميزه عن النور، وتعصم من التورط فيه.

عرفت الشر لا للشر ولــكـن لـتـوقــيـه

ومن لا يعرف الـشر من الخير يقع فيه

فحذيفة -رضي الله عنه- أحاط خُبرًا بما سيكون من فتن وسوء ونفاق، حتى احتاج إلى علمه كبار الصحابة، وطفق مثل عمر -رضي الله عنه- يسأله ويستشيره.

من طبائع الفتن:

للفتن طبائع وخصائص يعين الاستبصار على توقيها والنجاة منها، وما أكثر الفتن التي وقعت بسبب غياب البصيرة بهذه الطبائع، فمنها:

1- أنها تتزين للناس في مباديها حتى تغريهم بملابستها والتورط فيها:

قال ابن حزم -رحمه الله-: "نُوَّار الفتنة لا يَعْقِدُ"، أي: إن للفتنة مظهرًا خداعًا في مبدئه حتى يستحسن الناس صورتها، ويعقدوا الآمال عليها، ولكن سرعان ما تموت وتتلاشى مثل الزهرة التي تموت قبل أن تتفتح وتعطي ثمرتها.

2- الفتن تذهب بعقول الرجال وتستخفهم ببُداءاتها:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( تكون فتن تعرج فيها عقول الرجال حتى ما تكاد ترى رجلاً عاقلاً ) (رواه نعيم في الفتن، وصححه الهندي في كنز العمال) .

الصفحة التالية