في ظلال كتاب "بصائر في الفتن"
محمد سرحان • قرأت لك
وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجَ )، قَالُوا: "وَمَا الْهَرْجُ؟"، قَالَ: ( الْقَتْلُ )، قَالُوا: "أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ؟! إِنَّا لَنَقْتُلُ كُلَّ عَامٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا!"، قَالَ: ( إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمُ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا )، قَالُوا: "وَمَعَنَا عُقُولُنَا يَوْمَئِذٍ؟!"، قَالَ: ( إِنَّهُ لَتُنْزَعُ عُقُولُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيُخَلَّفُ لَهُ هَبَاءٌ -قليلو العقل أراذل- مِنَ النَّاسِ، يَحْسِبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ )، قَالَ أَبُو مُوسَى: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجًا إِنْ أَدْرَكَتْنِي وَإِيَّاكُمْ، إِلا أَنْ نَخْرُجَ مِنْهَا كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا لَمْ نُصِبْ مِنْهَا دَمًا وَلا مَالاً" (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
3- الفتنة إذا جُففت منابعها، وسُدت ذرائعها، وحُسمت مادة أوائلها، وأخذ على أيدي سفهائها، ولم يلتفت لقولهم: "ما أردنا إلا الخير"؛ سلمت الأمة من غوائلها، وكُفي الناس شرها:
عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا ) (رواه أحمد والبخاري) .
وكان النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- إذا سرد هذا الحديث يقول قبله: "يا أيها الناس خذوا على أيدي سفهائكم"، فإذا سرده عاد فقال: "خذوا على أيدي سفهائكم قبل أن تهلكوا".
4- أنها متى وقعت سرعان ما تتطور وتخرج عن حدود السيطرة، حتى إنها لتسعصي على مَن أشعلوها إن حاولوا إطفاءها:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "والفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء، وهذا شأن الفتن كما قال الله -تعالى-: ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) (الأنفال:25) ، وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله" "منهاج السنة" .
نور الفطنة يبدد ظلمات الفتنة:
شبَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- الفتنة بقطع الليل المظلم، أي: الذي لا قمر فيه ولا ضياء، فالساري فيه على شفا هلكة إن لم يكن معه نور يبصر به مواقع قدمه، وهو في حال الفتن نور العلم الذي يكشف أهلها ويبين حالها.
قال حذيفة -رضي الله عنه-: "لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك، إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل".
وقد سمى الله كتابه العزيز نورًا، فقال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ) (النساء:174) .
وسماه بصائر، قال الله -تعالى-: ( قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) (الأنعام:104) .
وقد صح عن عبد الرحمن بن أبزى قال: "قلت لأبي بن كعب لما وقع الناس في أمر عثمان: أبا المنذر ما المخرج؟ قال: كتاب الله ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فكِله إلى عالمه".
العلماء سفينة نوح:
قال الله -تعالى-: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (الأنبياء:7) ، وقال الله -عز وجل-: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (النساء:83) .
قال السعدي -رحمه الله-: "في هذا دليل لقاعدة أدبية؛ وهي إنه: إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَن هو أهل لذلك، ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم؛ فإنه أقرب إلى الصواب، وأحرى للسلامة من الخطأ" "تفسير السعدي" .
إن ذهاب العلم مقترن برواج الفتن، وإن الالتحام بالعلماء عصمة للأمة من الضلال، والعلماء سفينة نوح مَن تخلف عنها -لا سيما في زمن الفتن- كان من المغرقين.
وعن هلال بن خباب قال: "سألت سعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: إذا هلك العلماء".
الدنيا كلها ظلمة إلا مجالس العلماء:
قال الله -تعالى-: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (يوسف:108) ، فأهل العلم هم أهل البصيرة الذين نوَّر الله قلوبهم؛ فميزوا الحق من الباطل.
قال الحسن البصري -رحمه الله-: "الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل".
إن الالتحام بالعلماء والصدور عن توجيههم من أهم سبل الوقاية من الفتن، والعصمة من الزيغ والضلال؛ فقد أعزّ الله دينه بالصِّدَّيق الأكبر -رضي الله عنه- يوم الردة, وبأحمد بن حنبل يوم المحنة, وبابن تيمية يوم الغزو التتري الوحشي، وتأمل كيف كشف الألباني وابن باز -رحمهما الله- ببصيرة نافذة زيف دعوى المهدي القحطاني، ولكنَّ الجاهلين لأهل العلم أعداء!
الصبر زمن الفتن: