في ظلال كتاب "بصائر في الفتن"
محمد سرحان • قرأت لك
وقد أطال الشيخ -حفظه الله- النفس في بيان ذلك، وذكر مظاهر التطبيق العملي لمبدأ كف اليد عن المشاركة في الفتن واعتزالها، نذكر واحدة منها، وهي: أن مروان بن الحكم لما دعا أيمن بن خريم إلى الخروج في قتال فتنة أجابه: "إن أبي وعمي شهدا بدرًا وإنهما عهدا إلي ألا أقاتل أحدًا يقول: لا إله إلا الله؛ فإن أنت جئتني ببراءة من النار قاتلت معك".
وأكثر ما تتأكد العزلة في الفتن لأحد صنفين:
أحدهما: من خشي على دينه أن يُفتن فيه ويحول عنه.
والثاني: من كان ذا بأس وشدة يخشى على الناس منه ومن بأسه، ومثله صاحب الرأي والمشورة والدهاء الذي يخشى على الناس من رأيه.
فائدة العزلة وقت الفتن:
1- صيانة الدين عن المساس، والنفس عن التلف، والعِرض عن الضيم والانتهاك، والمال عن الضياع، وقل من شارك في فتنة وسلمت له هذه كلها.
2- سلامة الصدر على المسلمين.
3- إطفاء الفتنة وإخماد نارها؛ لأن الناس كلما اعتزلوا الفتن قل أهلها، فقل شرها.
ثم ذكر الشيخ -حفظه الله- الحالات التي تشرع فيها العزلة المطلقة أو النسبية الجزئية.
3- من أسباب النجاة: لزوم الجماعة:
فمن لطف الله -تعالى- بهذه الأمة المرحومة أنه لا يجمعها على ضلالة أبدًا، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَنَالَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ، فَلْيَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( الجَماعَةُ رَحْمَةٌ والفُرْقَةُ عَذابٌ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني)
العمل الصالح وسيلة للثبات على الحق خاصة الصلاةوكذلك الدعاء والضراعة إلى الله
ثم ختم الشيخ هذا الجمع القيم الرائع بأمرين:
الأول: مواجهة الفتن بالعمل الصالح: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ) (رواه مسلم) ، وقال: ( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ، وَدَابَّةَ الأَرْضِ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ ) (رواه مسلم) .
فالعمل الصالح وسيلة للثبات على الحق، قال الله -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ) (النساء:66) ، وصاحب العمل الصالح لا يخزيه الله أبدًا، فقد استدلت خديجة -رضي الله عنها- بصالح أعمال النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل البعثة أن الله لا يخزيه أبدًا.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( صَنائِعَ المَعْرُوفِ تَقِي مَصارِعَ السُّوءِ ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) .
وخاصة الصلاة: فقد "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ، صَلَّى" (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) ، فللصلاة خصوصية في دفع الفتن ورفعها.
وكذلك الدعاء والضراعة إلى الله: مِن أسباب كشف الغمة وتفريج الكربة، وكذا التعوذ بالله من الفتن.
الثاني: تمني الموت إذا خاف الإنسان على دينه من الفتن: وذكر حكم ذلك، وأدلته من الكتاب والسنة، فما أحوجنا إلى هذه البصائر ونحن في آخر الزمان؛ زمان الفتن والبلايا والمحن.
وهذا تطواف سريع مع هذا البحث القيم، اقتطفنا فيه أجزاء مهمة منه؛ لعلها تكون نورًا لمن استرشد، وهدى لمن أراد الهداية.
فنسأل الله أن يقينا من الفتن من ما ظهر منها وما بطن، وأن يثبتنا على الإسلام حتى نلقاه.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أصل معنى الفتنة في اللغة يدل على الابتلاء والاختبار.
(2) قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "وهو محمول على معظم الأمة؛ لثبوت أحاديث الشفاعة: أن قومًا يعذبون ثم يخرجون من النار ويدخلون الجنة".