في ظلال كتاب "بصائر في الفتن"
محمد سرحان • قرأت لك
إن التثبت من الأخبار قبل تصديقها -فضلاً عن إذاعتها- منهج قرآني أصيل يُستراح به من القال والقيل، ويوفر مِن طاقة الأمة المهدرة في الفتن ما يفيد في البناء، قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات:6) ، والفتن إنما تظهر بالإشاعات والبواطيل، وتنتشر بالقال والقيل مع خفة عقل في نقلتها، ورِقة دين تمنعهم من امتثال أمر الله بالتثبت وترك الاستعجال، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَمَعَهُ غَنَمٌ لَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ قَالُوا: مَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ لِيَتَعَوَّذَ مِنْكُمْ، فَقَامُوا فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غَنَمَهُ، فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَأَنْزَلَ اللَّهُ -تَعَالَى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ) (النساء:94) " (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً"، فليس كل ما يعلم يُقال، وقد ترجم البخاري -رحمه الله- في كتاب العلم: "باب: من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا يفهموا".
وجوب حفظ اللسان:
يجب على كل مكلف أن يكف لسانه ويحفظه عن كل باطل وفي جميع الأوقات والأحوال، بيد أنه يتأكد ذلك إبان الفتنة وحلول المحنة، قال الله -تعالى-: ( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ) (الإسراء:53) ، وقال الله -تعالى-: ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (ق:18) .
وليعلم أن أيسر حركات الجوارح حركة اللسان، وهي أضرها على العبد، وما أكثر الأحاديث والآثار الواردة في التحذير من آفات اللسان، خاصة في زمن الفتن والمحن، منها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمَلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ )، قُلْتُ: "بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ"، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، قَالَ: ( كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وسئل -صلى الله عليه وسلم- عن أَكْثَر مَا يُدْخِلُ النَّارَ؟ قَالَ: ( الأَجْوَفَانِ: الْفَمُ، وَالْفَرْجُ ) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني)
إن الالتحام بالعلماء والصدور عن توجيههم من أهم سبل الوقاية من الفتن، والعصمة من الزيغ والضلال
وفي الصمت السلامة:
قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ صَمَتَ نَجَا ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) (متفق عليه) .
وقال عمر -رضي الله عنه-: "من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به".
يتأكد حفظ اللسان في الفتن: قال حذيفة -رضي الله عنه-: "إن الفتنة وكلت بثلاث: بالحاد النحرير الذي لا يرتفع له شيء إلا قمعه بالسيف، وبالخطيب الذي يدعو إليها، وبالسيد. فأما هذان فتبطحهما لوجوههما، وأما السيد فتبحثه حتى تبلو ما عنده".
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ -أي تستوعبهم هلاكًا- قَتْلاَهَا فِي النَّارِ، اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ ) (رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه الشيخ أحمد شاكر) .
وقد ذكر الشيخ -حفظه الله- آثارًا كثيرة في حفظ اللسان وقت الفتن، وآثارًا عن السلف في التورع عن آفات اللسان في الفتن، نذكر اثنين منها فقط؛ لكثرتها، وإرادة الاختصار:
عن شريك قال: "سألت إبراهيم بن أدهم عما كان بين علي ومعاوية -رضي الله تعالى عنهما-، فبكى، فندمت على سؤالي إياه، فرفع رأسه فقال: "إنه من عرف نفسه اشتغل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره".
وقال الشافعي: "قيل لعمر بن عبد العزيز: "ما تقول في أهل صفين؟ قال: تلك دماء طهر الله يدي منها، فلا أحب أن أخضب لساني بها".
رب قول يسيل منه دم:
لا ينحصر شؤم إطلاق اللسان في الفتن في ولائم السوء التي يسودها الجدل والمراء، والغيبة والنميمة، لكن يتعداها إلى آثار خطيرة في واقع الأمة، فالشر مبدؤه شرارة، و"معظم النار من مستصغر الشرر"، وكثير من الفتن تبذر بذرتها في مجالس الغيبة والوقيعة، ولا يتوقع أصحابها أن تبلغ ما بلغت.
جراحات الطعان لها التئام ولا يلتئم ما جرح اللسان
2- من أسباب النجاة: اعتزالها والفرار منها:
فقد حث الشرع الشريف على اجتناب المشاركين في الفتن، وكف اليد عنها والفرار منها، عن بلال بن سعد في قول الله -تعالى-: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ) (العنكبوت:56) ، قال: "عند وقوع الفتنة أرضي واسعة؛ ففروا إليها".
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ ، أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، وَتَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، فَاخْتَلَفُوا، وَكَانُوا هَكَذَا؟ ) وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، قَالُوا: "كَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ؟"، قَالَ: ( تَأْخُذُونَ بِمَا تَعْرِفُونَ، وَتَدَعُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى خَاصَّتِكُمْ، وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَوَامِّكُمْ ) (رواه أبو داود وابن ماجه واللفظ له، وصححه الألباني) ؛ ولذا كان اعتزال كثير من الصحابة الفتنة في زمانهم.