شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الابتلاء.. وحسن الظن بالله

محمد إسماعيل أبو جميل • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن مِن أعظم ما يُثبت فؤاد المؤمن عند نزول الفتن واشتداد الكروب هو حسن الظن بالله -جل وعلا-، فإنه هو -أي حسن الظن بالله-: الحصن الحصين، والركن الركين الذي إليه يلجأ، وبه يعتصم؛ فيثبت قلبه، ويزداد يقينه، ويقوى عزمه، وتنير بصيرته؛ فيرى أين وكيف يضع قدمه لئلا تزل مِن بعد ثبوتها؛ فيهوى مع مَن هوى، أو يطيش عقله فيسيء تقدير أمر قد يجلب عليه سوءًا أو يزيد الفتنة عسرًا.

وذلك مِن معنى اسم الله المؤمن: الذي يُؤمِّن عباده المؤمنين وقت المحن، فإن للإنسان: كل عجز، وكل ضعف، وكل نقص، وكل فقر.. ولله -سبحانه وتعالى-: كل قدرة، وكل قوة، وكل كمال، وكل غنى..

فإذا أنزل العبد عجزه وضعفه ونقصه وفقره بباب ربه -عز وجل-: ( أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) (الأنبياء:87) , ( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (الأنبياء:83) , ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) (القصص:24) , ( اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ) (متفق عليه) ؛ أنعم الله عليه مِن آثار قدرته، وقوته، وكماله، وغناه، وسائر أسمائه وصفاته -عز وجل- ما يجبر به قلبه، ويزيل همه، ويجعل مع الصبر نصرًا، ومع الكرب فرجًا، ومع العسر يسرًا: ( وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) , ( سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ) (الطلاق:7) .

وإن علق المؤمن قلبه بربه ذي القوة المتين؛ سكن واطمئن ولم يضره كيد الكائدين: ( وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ ) (الأنبياء:70) , ( لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأعْلَى ) (طه:68) , ( أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ) (الطور:42) , ( وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلا ) (النساء:84) ، ( وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ) (البروج:20) .

و إذا استعصم بالعليم الخبير؛ الذي يعلم السر وأخفى، والذي يعلم ما ظهر من كيد أعدائه وما خفي ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ) (النساء:45) .

ولا يعلم عواقب الأمور إلا هو -عز وجل-: ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ) (الجن:26) ، حينها يزداد يقينًا باختيار ربه -جل وعلا-، وينشغل بتنفيذ أمره وشرعه، فإنه -سبحانه- الذي قدَّر، وهو -سبحانه- الذي أمر وشرع، وهو علام الغيوب؛ فأمره وشرعه فيه المصلحة، ورد الأمر إليه فيه خير المآل والعاقبة ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ) (النساء:59) , ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) (مريم:64) , ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك:14) .

فينشغل بمعرفة أمره، وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- في كل موطن بلاء أو فتنة منضبطًا بضابط الوحي، واثقًا في العاقبة وأن: ( الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) (هود:49) ، فطالما كان هذا هو أمره الشرعي فإن عاقبته هي الحسنى ولا شك، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمر -رضي الله عنه- يوم الحديبية: إذ قال عمر: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟! فَقَالَ: ( بَلَى ). فَقَالَ: أَلَيْسَ قَتْلانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلاهُمْ فِي النَّارِ؟! قَالَ: ( بَلَى ). قَالَ: فَعَلامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، أَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟! فَقَالَ: ( يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا ). فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا. فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَفَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: ( نَعَمْ ) فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ. (رواه البخاري ومسلم) .

وكما قالت هاجر لإبراهيم -عليه السلام-: ( أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا! ). قال: ( نَعَمْ ), قالت: ( إِذَنْ لا يُضَيِّعُنَا ) (رواه البخاري) .

فإذا وثق العبد بذلك انشغل بالبحث عن أمر ربه وأمر رسوله -عليه الصلاة والسلام-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) (الحجرات:1) , فإن كان عالمًا فبها ونعمت، وإن لم يكن فليتبع آثار أهل العلم وليستمسك بغرزهم: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (النساء:83) ، والعلماء هم ورثة الأنبياء.

الصفحة التالية