شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الابتلاء.. وحسن الظن بالله

محمد إسماعيل أبو جميل • التزكية

وكذلك إذا ركن القلب إلى اللطيف -عز وجل-، والذي يدبر الخير في الخفاء لعباده؛ لعلم أنه ( لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ) (يوسف:100) , ( غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (يوسف:21) ، ( لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ) (رواه مسلم) ؛ لعلم أنه قدَّر بحكمته لعدوه الصولة والدولة والمال والجاه ليمحقهم بذلك، وليجعل تدبيرهم تدميرهم, حتى وإن طال زمن المحنة فإنه -سبحانه- أرحم بعباده المؤمنين من الأم بولدها، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ ). قُلْنَا: لا. وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لا تَطْرَحَهُ. فَقَالَ: ( لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ) (متفق عليه) .

فقد جعل -سبحانه- ذلك مِن حكم البلاء: أن يغتر مِن الظلمة مَن يغتر؛ ليفتنه ربه بما آتاه من أسباب وأموال، حتى يقدم على هلاكه بيديه وليحفر قبره بنفسه، ( وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) (آل عمران:141) , ( رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ ) (يونس:88) , ( وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ) (الأنفال:44) .

وإذا شاهد بقلبه ملكه -عز وجل-، وأنه -سبحانه- له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير, ولم يقف ببصره عند الرسوم والأحداث، بل نظر وراءها؛ فوجد تدبير الملك وتقدير العزيز الحكيم؛ لوجد أن أيسر شيء يهوِّن على قلبه، ويثبته استحضار أن كل ما يجري في الكون فهو في مُلك، ومِلك ربه -عز وجل-، فحتى كيد عدوه له فهو تقدير العزيز الرحيم, وليست الأمور بأيدي أعدائه، بل هم وأفعالهم وذواتهم وما ملكوا كله بأمره وحكمته -جل وعلا-: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) (الأنعام:112) ، ( وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ.. ) (آل عمران:166) .

قدَّر كل ذلك وهو هو الحليم -عز وجل-, الودود -تبارك وتعالى-، الذي يحب عباده المؤمنين كل الحب ويحبه المؤمنون كل الحب, الذي يكره مساءة المؤمن ( وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَه ) (رواه البخاري) .

فما ابتلاه إلا ليمحصه، وما آلمه إلا ليقويه ويعلمه، وما قدر عليه سوءًا إلا ليعزه ويمكنه؛ طالما تحلى بالصبر والإيمان: ( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (آل عمران:179) .

حينئذ ومع ما يرى من آلام تنزل بالمسلمين في دمائهم وأعراضهم، بل وأعظم من ذلك أن يرى دينًا يبدل، وعقائد تزيف، وحق يُطمس، وباطل يُزخرف، لعلم أن هذا هو عين ما سيظهر من ورائه الحق، ويظهر من جرائه الدين -إن ثبت أهل الحق على الإيمان-؛ فإنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

ألم يكن قتل غلام الأخدود إيذانًا بانتشار دعوة الحق وإيمان الناس، وعبادتهم لربهم -جل وعلا- بعدما ظلوا سنين يعبدون الملك، ومِن ورائه الساحر ( وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ) (التوبة:111) ، فهو -سبحانه- الذي وعد: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (النور:55) , ( كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (المجادلة:21) , ( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ) (إبراهيم:42) .

قال الحسن -رحمه الله-: "كم من أناس خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم يقولون: نحسن الظن بالله، وكذبوا والله، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل".

فلابد أن نعلم أن لكل بشرى شرط، ولكل وعد طرفان: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) (البقرة:40) ، فمع الآلام والأحداث وتتابعها وتلاحق الفتن.. لا يكونن هم أحدنا متابعة الأخبار والأحداث، والتألم والتحسر، وضرب الكف بالكف، وحوقلة باللسان دون القلب وحسب..

بل لابد من الانشغال بعبودية كل وقت.. فللتمكين عبودية، وللاستضعاف عبودية، وفي النور عبودية، وحين الظلمة عبودية؛ عبودية على وفق ما يريده ويحبه -عز وجل-، لا على وفق تشهينا واختيارنا نحن، فلنا العظة في أقوام قال الله فيهم: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا ً) (النساء:77) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية