المادة الثانية من الدستور بين التفعيل والتعطيل
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فنحاول في هذا المقال مناقشة المادة الثانية مِن الدستور المصري، وخطورة التعرض لها بإلغاء أو تعديل إلى صيغة أضعف مما هي عليه الآن.
وفي هذا السياق نحتاج إلى التذكير السريع بعدة نقاط موجزة قبل الشروع في المقصود، ونرجو مِن الله أن نتمكن مِن تفصيل هذه النقاط المجملة في مقالات قادمة -بإذن الله-.
1- عَرِف الغرب في تاريخه عدة نظم للحكم كان أبرزها:
أ- الدولة الدينية: والتي يحكم فيها أفراد يزعمون استمرار نزول الوحي عليهم بنظرية التفويض أو الإلهام، ومِن ثمَّ ففي كل ما يحدث مِن حوادث لا يجوز لمن يؤمن بهذه الدولة ودينها أن يخالف رأي هذه الطائفة، وهو مذهب أوروبا في العصور الوسطى.
ب- نظام الحكم العالماني: الذي عرفته أوروبا قبل النصرانية، ثم عادت إليها بعد أن اكتوت بنيران الطغيان الكنسي، ويتكون في صورته الأكثر قبولاً الآن مِن النموذج الديمقراطي الذي يجعل الشعب هو مصدر السلطات، ويُقسِّم السلطة إلى ثلاث سلطات: تشريعية، وقضائية، وتنفيذية.
2- نظام الحكم الإسلامي يخالف كلاً مِن النظامين الغربيين خلافًا جذريًا؛ فالشريعة فيه حاكمة على كل أحد، وحق التشريع فيه حق خالص لله -عز وجل-، ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ ) (الأنعام:57) .
والرسول -صلى الله عليه وسلم- مبلِّغ: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) (النجم:3) .
والمجتهدون مستنبطون: ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (النساء:83) .
والقضاة مثلهم مثل القضاة في أي نظام؛ يطبقون التشريع الذي يأتيهم مِن المشرِّع.
3- يحلو للمطالبين بتطبيق نظام الحكم العالماني في بلادنا أن يُسموه: "نظامًا مدنيًا"؛ هروبًا مِن الظلال السيئة لكلمة: "العالمانية"؛ ولأن كلمة: "مدنية" قد تُظن أنها ضد العسكرية أو ضد الهمجية مما يضفي عليها قبولاً، بينما يريدون بها: "الدولة العالمانية" التي تفصل الدين عن الحياة؛ لا سيما وأن معظمهم يُظهِر تدينًا في الجزء الذي تسمح به العالمانية "العلاقة الخاصة بين العبد والمعبود الذي يختاره"!
4- لا يجوز لنا بحال مِن الأحوال أن نخفض سقف آمالنا ومطالبنا العادلة في أن نعيش الإسلام كما شرعه الله لنا؛ "منهج حياة": ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:162-163) .
نريد أن نعيش والإسلام هو مصدر نظم مجتمعنا، كما أنه مصدر عقيدتنا وعبادتنا، ولكن حتى تأتي هذه اللحظة لابد لنا مِن تقليل الشر والفساد.
ومِن ثمَّ فمتى عشنا في دولة مدنية فيجب علينا أن نحاول قدر الإمكان أسلمة ما يمكن منها دون التنازل عن توضيح الصورة الواجبة المطلوبة، وإلا فلو حصلنا على بعض إصلاحات فوصفناها بأنها هي المطلوب شرعًا؛ فسيكون هذا تحريفًا للدين وخيانة للأجيال القادمة.
5- الدولة المصرية الحديثة في مصر أسسها "محمد علي" وأبناؤه كانت ذات توجه عالماني ساهم في تكريسه الاحتلال الفرنسي ثم الإنجليزي لمصر، والذي حرص على إقامة دولة عالمانية في مصر؛ لقطع الطريق عليها في إعادة الاندماج في دولة الخلافة، أو أن تكون هي عاصمة الخلافة الجديدة بعد سقوط الخلافة في تركيا، وقد ولدت الدولة المصرية مستكملة لأركان الدولة المدنية الحديثة في وقت مبكر جدًا.
6- الذي يعنينا في هذا الشأن هو الكلام على الجانب التشريعي الذي حرص الاحتلال على تكريس العالمانية فيه عن طريق: وضع دستور مكتوب، ثم قانون مدني مكتوب يُكرِّس لمبادئ العالمانية، والتي استطاعت الصحوة الاسلامية أن تنتزع تحسينات جوهرية عليه لا يجوز بحال التفريط فيها، وتمثلت في شلِّ التوجه العالماني في النظام التشريعي عن طريق ذكر مرجعية الشريعة في الدستور.
7- في ظل التحرش بالمادة الثانية مِن الدستور الآن: نريد أن نعرف بعض الخلفيات القانونية، والتاريخية.. يأتي بيانها في النقاط التالية:
8- ما هو الدستور؟
السلطة التشريعية هي: إحدى السلطات الثلاث التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة المدنية، وهو أخطرها على الاطلاق.
والنظام الديمقراطي يجعل الشعب هو مصدر هذه السلطات؛ ومن ثَمَّ فقد جرى العمل على أن تصاغ تطلعات الأمة وتوجهاتها العامة في شكل قواعد محددة تمثل العقد الاجتماعي بين الشعب والسلطات الثلاث، وتبين كيفية إفراز هذه السلطات، و يصطلح على تسميتها بالدستور، وهو أشبه ما يكون في علومنا الشرعية بعلم: "القواعد الفقهية".
إذن فالدستور هو: "أبو القوانين" المهيمن عليها، بل هو الموجه الرئيسي لأداء السلطة التنفيذية، ويُعرِّفه القانونيون بأنه هو: "القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة "بسيطة أم مركبة؟"، ونظام الحكم "ملكي أم جمهوري؟"، وشكل الحكومة "رئاسية أم برلمانية؟"، وينظم السلطات العامة فيها مِن حيث التكوين والاختصاص، والعلاقات التي بين السلطات، وحدود كل سلطة، والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، ويضع الضمانات لها تجاه السلطة".
9- وضع أول دستور مصري عام 1882، وكان عالمانيًا قحًا، ولم يكن فيه أدنى إشارة إلى هوية الأمة وتميزها عن أمة الاحتلال.
10- وكردِّ فعل للمد الثوري في مصر تم وضع دستور 1923، والذي لم يختلف كثيرًا عن سابقه في احتقار هوية الأمة، وهو شيء طبيعي لدستور كُتب في ظل الاحتلال.
وتمثل هذا في:
- خلو الدستور من أي ذكر للشريعة الاسلامية.
- وضع المادة الخاصة بدين الدولة ولغتها في ترتيب متأخر جدًا في الباب السادس مِن الدستور المعنون بعنوان: "أحكام عامة" وبرقم: 149.
فهل يمكن بعد ذلك لمسلم أن يعطي صوته لمرشح لمنصب الرئاسة ينادي بالعودة إلى دستور 1923؟!
11- ظهرت الشريعة على استحياء في القانون المدني المصري لعام 1949، والذي تضمن خطابين: أحدهما: للسلطة التشريعية، والثاني: للسلطة القضائية، ووضع الشريعة في المرتبة الثالثة لكل منهما.
فأما السلطة التشريعية: فقد خاطبها باستمداد الأحكام مِن:
1- أحكام القانون المدني السابق، والذي صدر عام 1883 في ظل دستور 1882.
2- القوانين اللاتينية لا سيما الفرنسي.