شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

السلفيون وكشف حساب الأزمة

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكما قررنا في موضوع سابق فإن العلاقة بيْن الدعوة وأبنائِها قائمةٌ على مَرجعيَّة الدليل في الأمور الشرعية، وعلى الثقة في المشايخ في الأمور الواقعية، لا سيما تلك التي يحتاج وزنُها إلى تقديراتِ القُوَى المتصارِعة.

ولكن بعد هدوء الأزمة لابد مِن تقديم "كشف حساب" مِن باب التعلم والنصح والمراجعة، وهذا كشف حساب لطريقة إدارة الدعوة للأزمة مِن وجهة نظري.. أعرضه على إخواننا الأفاضل رغبة في اتساع مداركهم الشرعية والواقعية، وفي ثنايا هذا الطرح سوف أجيب على بعض الاعتراضات التي استمعت إليها مِن عدد كبير من إخواننا.

أولاً: ترى الدعوة موقفًا مبدئيًا مِن المظاهرات أنها "مباحة الأصل"؛ إلا أن الغالب عليها مِن حيث التطبيق وجود مفاسد شرعية بدون مصالح، أو مع مصالح محدودة.

ومِن هذه المفاسد:

1- الشعارات الباطلة أو الغامضة.

2- وجود المنكرات، ومنها: التبرج، والغناء.

3- ارتفاع احتمال سفك الدماء والجراح فيها، وكذا الاعتقالات.

4- كما أن المحصلة التي عايشناها مع المظاهرات عبر عشرات السنين قبل الخامس والعشرين من يناير كانت تنتهي دون أن تحقق الحد الأدنى مما قامت لأجله، وأحيانًا بدون صدام ودماء، وأحيانًا مع صدام ودماء.

ومِن أمثلة ذلك:

مظاهرات التنديد بعمليات تزوير الانتخابات وغيرها. "راجع مقالة: وقفة مع المظاهرات ".

وهناك بُعد آخر في موقفنا مِن المظاهرات، وهو: أننا نرى واجب الجماعات الإسلامية ككل هو: "حفظ الدين، وسياسة الدنيا بالدين"، ونحن نقوم بواجب حفظ الدين أكثر مِن غيرنا، ونشارك باقي الاتجاهات الإسلامية في التواجد في المجتمع قدر الممكن والمستطاع، بشرط ألا يتعارض مع حفظ الدين؛ لأنه أتم وأشرف، ولانصراف معظم الاتجاهات الإسلامية عن طلب العلم وتعليمه والرد على شبهات المخالفين، وهي الأسلحة الرئيسية لسد ثغرة حفظ الدين.

ومِن ثمَّ فإن أي مشاركة في عمليات سياسية أو مظاهرات تتطلب الإقرار بباطل مرفوضة أصلاً، وكذلك المشاركة التي تتطلب تغيرًا جذريًا في بناء الشخصية السلفية، وتكيفها مع دورها الأساسي في منظومة العمل الإسلامي.

إذن فعند وجود مظاهرات في قضية ما فلا يُتصور مشاركة الدعوة ككيان دعوي، اللهم إلا إذا كانت المعطيات مختلفة تمامًا، ولكن حتى مع عدم المشاركة فإن الموقف مِن المخالِف مِن الممكن أن يكون واحدًا مِن هذه الاحتمالات:

1- نهي الغير عن المشاركة حينما تكون المفسدة راجحة؛ بغض النظر عن المشارِك.

2- السكوت عن المشارِك حينما تكون المصالح والمفاسد متقاربة؛ فلا نحجر على مَن هم أدرى بالمظاهرات رؤيتهم في تقديرها، مع استمرار تغليبنا الدور الذي اخترناه لأنفسنا.

3- الثناء على المشارِك، وهذا في حالة الاقتناع بحصول مصالح مِن ورائها دون مفاسد معتبرة، في الوقت الذي قد تكون مشاركة السلفيين فيها تسبب مفسدة قد يوظفها الخصم.

ثانيًا: كتطبيق على القواعد السابقة فقد رأت الدعوة السلفية الثناء على الوقفات الاحتجاجية المتعلقة بأزمة: "الأخت كاميليا شحاتة"؛ نظرًا لغلبة الظن بعدم حدوث مواجهات في ظل كونها وقفات احتجاجية محددة المكان، ونظرًا لوجود حاجة ماساة آنذاك في إحداث توازن إعلامي مع متطرفي النصارى، ولم يتم التبني التام لها بناء على عدم الرغبة في تغيير صبغة الدعوة وواجبها الأول الذي هو "حفظ الدين".

ومِن ثمَّ فقد كانت الفعاليات الدعوية الرسمية عبارة عن: "مؤتمرات - وندوات - وكتابات"، ونحن نعلم أن مثل هذه الفعاليات لا ترضي عواطف الشباب المتأججة، ولكنها فيها معظم ما في المظاهرات مِن مصالح، ويمكن أن تمثِّل ضغطًا جماهيريًا في الأمور التي تقتضي موازين القوى فيها الاستجابة للضغط الجماهيري، وأما في حالة عدم ذلك؛ فتذهب المظاهرات سدى بينما يبقى البيان والإرشاد قائمًا -بفضل الله-.

ثالثًا: مظاهرات 25 يناير:

كانت الحسابات أن هذه المظاهرات ليس فيها أي جديد يقتضي تأييدها أو حث الإخوة على الخروج فيها؛ لا سيما وأن منظميها مِن شباب الإنترنت غير المهتم برأي القوى التقليدية -بما في ذلك الإسلاميين- في تحركاتهم، لا سيما وأن الإخوان كان لهم موقف سلبي للغاية مِن مظاهرات 6 إبريل حينما امتنعوا مِن المشاركة فيها ولو بصورة فردية، رغم أن المظاهرات مِن وسائل التعبير المعتمدة لدى الإخوان.

ومِن ثمَّ فقد كان الخطاب موجهًا للسلفيين بعدم المشاركة، وهو موقف تقليدي تلقـَّاه "الجميع" بصورة تقليدية.

ومِن الجدير بالذكر أن الإخوان ترددوا فأعلنوا عدم المشاركة، ثم أعلنوا المشاركة الرمزية وهو ما حدث فعليًا على أرض الواقع، ولم يكن خطاب تكتيكي كما يحلو للبعض أن يصوره.

والذي أريد أن أؤكد عليه هنا حتى لا يُعاد تقييم لموقف بناء على معطيات لم تكن موجودة في وقته، فمراعاة التسلسل الزمني للأحداث في غاية الأهمية.

الحاصل: أن تكييف هذه الحركة مِن وجهة نظر منظميها ومن وجهة نظر المراقبين كان أنها حركة احتجاجية مِن ضمن فعاليات احتجاج كانت ستصل إلى ذروتها في آخر الفترة الرئاسية للرئيس السابق حال إصراره على ترشيح ابنه، وربما حال إصراره على إعادة ترشيح نفسه.

وخرجت مظاهرات 25 يناير بطريقة غير متوقعة من أحد وبحجم هائل أظن لم يتصوره مَن نظموها أو دعوا إليها، فضلاً عن النظام؛ فضلاً عن غير هؤلاء، ومعها مطالبات دولية بعدم قمع المظاهرات، وأظهرت الشرطة المصرية محاولة كبيرة لضبط النفس، ولكن أفلتت منها بعض الحوادث، وانتهى اليوم وأعاد الجميع تقييم مواقفه.

فأما المتظاهرون: فقد قرروا إعادة التظاهر يوم الجمعة، ولوحظ حتى هذه اللحظة أن المتظاهرين لم يكن لهم أي مطالب محددة، ولا غاية عندها تنتهي المظاهرة مما يعني أنه يوم احتجاجي على موقف عام.

وأما الإخوان: فقد قرروا المشاركة بصورة أوضح هذه المرة دون أن يتصدروا المشهد، وأما البرادعي فقد قرر العودة والمشاركة بنفسه في المظاهرات.

الصفحة التالية