شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

السلفيون وكشف حساب الأزمة

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

أما النظام: فقد أعد لها العدة، وجيَّش القوات الخاصة في الميادين العامة، وأظهر "العين الحمراء"، وبإزاء ذلك حرصت الدعوة على إعادة تأكيد خطابها الرامي إلى عدم فتح باب لإراقة الدماء ثمنًا لتغيير نسبي دنيوي، لا يمكن أن يرقى إلى التغيير الذي تنشده الصحوة الإسلامية ككل. "راجع مقال: يا عقلاء الأمة.. أدركوا البلاد قبل فوات الأوان ".

وأما بالنسبة للمشاركة فيها مِن قِبَل الدعوة فقد كان الموقف يميل إلى الرفض لاعتبارين:

الأول: "ظهور البرادعي في المشهد": وقد يرى البعض أنه أهون شرًا مِن النظام السابق؛ بينما نرى أن ولاءه "التام" لأمريكا دون وجود رصيد تاريخي بالانتماء لأي مؤسسة قومية عسكرية أو مدنية، ومعلوم دوره في حرب العراق وتصريحاته المستفزة، وتبنيه لكثير مِن الطلبات المتطرفة لأقباط المهجر، وقضية النوبة، والتي يقف فيها معهم ضد نظام الحكم آنذاك.

الثاني: أن تكشير الداخلية عن أنيابها كان واضحًا وسافرًا، واحتمال التعامل القمعي مع المظاهرات، نعم خرجت مطالبات دولية مؤكِّدة بعدم استعمال القمع مع المتظاهرين، ولكن التاريخ القريب يقول: إن هذا النظام استخدم القمع مع أكثر فئات المجتمع حصانة "القضاة"، وأجهض حركتهم الاحتجاجية مِن قبل، ولم تزد التصريحات الدولية عن الشجب المعتاد.

رابعًا: جمعة الغضب 28 يناير:

خرجت المظاهرات كما أعلن نفس "نشطاء الإنترنت" مع تواجد إخواني لا بأس به، ووقعت صِدامات عدة، وحصل ما حذرنا منه مِن سفك الدماء التي تصب الزيت على النار، وفوجئ الجميع بانسحاب قوات الشرطة تزامنًا مع تحركات منظمة وذات قيادة تتحرك بصورة سريعة وتروِّع الناس.. سرعان ما اتجهت إلى أقسام الشرطة، وإلى مقار الحزب الوطني، وإلى بعض المباني الحكومية، وحدثت كثير مِن الاشتباكات بينهم وبين الشرطة، وانتهت الحصيلة بأكثر من 300 قتيل، وآلاف الجرحى في يومٍ واحد لم نرَ مثله.

وانتهى اليوم بإعلان حظر التجول في: "القاهرة، والإسكندرية، والسويس"، وإعلان نزول الجيش الشارع، وقطع رئيس أركان القوات المسلحة زيارته إلى أمريكا، وعودته الفورية إلى مصر، وسيبقى هذا اليوم مِن أغمض أيام التاريخ، وما حصل فيه سيظل لغزًا -ما شاء الله له أن يكون-!

قد يقول قائل: المهم أنه آل إلى نهاية سعيدة.. نقول: لا بأس.

ولكن لابد مِن التحذير هنا مِن أمرين:

الأول: إعادة تقييم المواقف السابقة بناء على أمر نادر لم يكن يمكن التنبؤ به مع الأخذ في الاعتبار أن الذي حدث كان انسحابًا، وليس انهيارًا؛ وإلا فإن الشرطة التونسية -والتي كانت تواجه تحركًا شعبيًا شاملاً، وليس نابعًا مِن بعض نشطائه كما الحال في مصر- صمدت شهرًا كاملاً قبل أن تنهار.. هذا مع الأخذ في الاعتبار العدد الرهيب لقوات الشرطة المصرية.

الثاني -وهو أخطر-: بناء رؤى مستقبلية بناء على هذه الفلتات التاريخية.

عمومًا.. يتحدث البعض عن رغبة لدى الشرطة في أن تدفع بالبلطجية لينوبوا عنها في القمع حتى لا تتعرض لحرج مع القوى العالمية.

وتتحدث جريدة الأهرام في عددها الصادر الأحد 14-2-2011 عن خلاف بين الرئيس السابق ووزير داخليته انتهى بتعليمات بنزول الجيش؛ مما أثار غضب وزير الداخلية السابق، والذي قرر إحراق البلاد!

كما يتحدثون عن رغبة الجيش في الوفاء بعقيدته القتالية، واتفاقاته الدولية مِن أنه يحمي الدولة لا النظام السياسي -وإن كان على رأسه رجل عسكري-.

القدر المتاح مِن المعلومات في نهاية يوم الجمعة: أن الجيش في طريقه للنزول؛ لحفظ الأمن وليس للتدخل.

وأن عناصر مخربة تعيث في الأرض فسادًا؛ بينما قرر المتظاهرون الدخول في اعتصام مفتوح في ميدان التحرير.

وظهرت أمريكا بقوة على سطح الأحداث، وتوالت البيانات والتصريحات مِن البيت الأبيض، وتمت اجتماعات في السفارة الأمريكية مع كثير مِن القوى السياسية.

خامسًا: السبت 29 يناير:

وفي ظل هذا الموقف المتأزم، وتعرض أرواح الناس وأموالهم ووسائل عيشهم للخطر، وفي ظل الضبابية الشديدة.. تحولت المسألة مِن حركة شبابية محدودة تمثل جزءًا مِن حركات احتجاج متصاعدة تجاه الفساد الإداري في الدولة والتوريث إلى أزمة مجتمع، بل إلى ثورة حقيقية.

وصار هناك عدة مشاهد رئيسية:

الأول: في ميدان التحرير، والمظاهرات الأخرى في باقي المحافظات، والتي بدأ الإخوان في تصدر المشهد التنظيمي لها مع التأكيد على الحفاظ على وجهها الشعبي، وعدم رفع أي شعار إسلامي؛ حتى "شعار الاسلام هو الحل" كان ممنوعًا! ومَن رفعه عومل غاية الشدة مِن رفاقه قبل غيرهم!

وزاد الأمر سوءًا برفع شعارات تمثل انحرافات عقدية: كـ"الهلال مع الصليب"، وغيرها..

الثاني: في النظام الذي أدرك متأخرًا جدًا أن هناك شيء ما يجري على أرض مصر يستحق الالتفات!

الثالث: مشهد عامة الناس الذين عانوا مما ذكرنا مِن معاناة.

وفي هذا السياق تحركت الدعوة في محاور:

الأول: استمرار توجيهها ككيان دعوي لأفرادها بعدم الحضور؛ لأن المتظاهرين لا يريدون هوية إسلامية، والسلفيون يحافظون على الهدي الظاهر، ومِن ثمَّ فهويتهم مميزة، ولا شك أن ظهور السمت السلفي الظاهر حتى يغلب على المظاهرات كان يمكن أن يؤدي إلى "هلع عالمي" ربما أدى إلى فقد الضغط العالمي نحو عدم استعمال القوة؛ فكان غياب السلفيين بهديهم الظاهر يصب في حماية المظاهرات في الحقيقة لا في إجهاضها.

كما أن السلفيين لا يمكن أن يصبروا على هتافات مِن نوعية: "يحيا الهلال مع الصليب"، ومنكرات الاختلاط المحرم وغيره... بالإضافة إلى وجود ساحة هامة مِن ساحات العمل، وهو حفظ الأمن الداخلي.

الثاني: عدم التعرض للمتظاهرين بالنهي، ولا بالتأييد شعورًا بعدم جدوى النهي أو التأييد في هذه المرحلة، فكل قد حدد موقفه.

الثالث: التصدي لمحاولة حفظ الأمن الداخلي مِن الحراسة إلى توفير السلع الغير متوفرة، وتوفير الوقود وخلافه. "راجع بياني الدعوة رقم: ( 1 ) و( 2 )".

وهنا لابد مِن التوقف عند نقطة هامة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية