شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

واعتصموا بالله هو مولاكم

سعيد السواح • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلقد أصبحت الحسابات المادية البحتة هي المسيطرة على تفكير كثير من الناس وعلى معتقداتهم، وفي المقابل ضعفت ثقة الناس بربهم، فقد يطمئنون وتسكن نفوسهم بما لديهم مِن مقومات مادية؛ معرضين متناسين أن الله -تعالى- هو المدبر للأمر، وأنه فعال لما يريد، وأنه بيده وحده الملك ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (آل عمران:26) .

لقد ضعفت ثقة الناس بربهم وبقدرته، وهذا نتاج طبيعي لبعد الناس عن منهج ربهم، وعن شرعه وعن معرفتهم بربهم؛ فأصبحوا لا يثقون إلا بما في أيديهم، وأصبحت مقاييس الناس مادية بحتة، والناس يبحثون عن أيدلوجية للتغيير، لتغيير الأوضاع، وتغيير ما نحن فيه من مهازل واضطهادات واضطرابات، فهذه أيدولوجية ترى: أن التغيير يبدأ مِن هنا، وأخرى ترى: أن التغيير يبدأ مِن هناك؛ فتباينت هذه الأيدلوجيات، وتناسوا تمامًا ما جاء به كتاب ربهم الذي هو في حقيقته منهج حياة يحقق مِن خلال تطبيقاته المصالح الدنيوية والدينية.

فلقد ذكر الله لنا في كتابه منهج التغيير وبينه لنا، وأرانا صورة واقعية عملية لهذا المنهج، ولقد لخص لنا القرآن هذا المنهج في قول الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ) (الرعد:11) .

وكذلك أرانا الله تطبيق هذه القاعدة في التغيير كما ذكر في سورة الأنفال: ( وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ . ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ . كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ . ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ ) (الأنفال:50-54) .

فالثقة بالحسابات المادية تجلب على الإنسان الحسرة والندامة حتى لو صدر ذلك من الأكابر: ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ . ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (التوبة:25-27) .

فقد قالوا: لن نغلب اليوم عن قلة، فالحسابات المادية تقول ذلك، فهم أكثر عددًا وتجهيزًا، وسبق ذلك انتصارات كثيرة فكانت النفسية مرتفعة، ولكن استعصى عليهم الأمر حتى رجعوا إلى ربهم، وعلموا أن النصر مِن عند الله وحده.

وإليك هذه الوقفة العجيبة التي تبعث على الأمل والرجاء:

فقد يرى الإنسان بنظره أن إمكانية التغيير تكاد تكون منعدمة؛ لعدم وجود المقومات التي تشير إلى ذلك، فطائفة مستذلة ضعيفة يُفعل بها الأفاعيل ليس في أيديها سلاح للمقاومة أو حتى للدفاع عن النفس، والطائفة الأخرى مستبدة مسيطرة قوية قاهرة للطائفة الأولى، فلا بصيص مِن الأمل ولا بارقة أمل أن يتغير ذلك الحال.

فالطائفة الأولى ممتهنة تعمل في أحقر الأعمال وأرذلها، لا قوة مالية ولا قوة معنوية، فهي مسلوبة تمامًا؛ فهل من الممكن أن يمكَّن لهؤلاء مع هذه الأوضاع؟! بالطبع جميع العقلاء يقولون: لا يمكن أن يكون لها تمكين. ولكن ماذا لو أراد الله -تعالى- لها التمكين؟ فأي القوتين ستكون أغلب؛ هذه القوة الغاشمة الظالمة القاهرة أم قوة الله -تعالى-؟!

لقد قص الله علينا في سورة القصص قصة موسى -عليه السلام- مع الطاغية الذي سبق في طغيانه كل طاغية؛ حتى إنه وصل من طغيانه أنه دعا الناس إلى عبادته وقال: ( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) (النازعات:24) .

في بداية السورة تلخيص الأمر: ( طسم . تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ . نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (القصص:1-6) .

فرعون "علو وطغيان واستبداد وديكتاتورية"؛ فهو يحكم قومه بالقهر والتسلط، واستطاع أن يجعل شعبه أحزابًا مختلفة حتى لا يجتمعوا على رأي، بالإضافة إلى طائفة بني إسرائيل الذين فعل فيهم الأفاعيل من قتل الأولاد واستخدام النساء في الخدمة والمهانة، بالإضافة إلى نشر الفساد والرذائل في طوائف الشعب وإشغالهم بالملاهي وغيرها.

والله يريد أن يمكن لهؤلاء المستضعفين ويجعلهم هم الذين يرثون الأرض، وفي المقابل إهلاك عدوهم؛ فأي الإرادتين أغلب؟!

إرادة فرعون الذي معه القوة والجاه والسلطان والسطوة والقهر أم إرادة الله الواحد القهار؟!

القصة مِن بدايتها:

الصفحة التالية