واعتصموا بالله هو مولاكم
سعيد السواح • التزكية
موسى -عليه السلام- والمؤمنون مضطهدون من قبل فرعون وحاشيته ونظامه: ( وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) (الأعراف:127) .
توجيهات موسى -عليه السلام- ووصاياه لمن آمن معه:
انظر كيف يواجه موسى -عليه السلام- هذا البطش والاضطهاد مِن هذا النظام الغاشم الظالم الذي اغتر بقوته وسلطانه وسطوته وبقبضته الحديدية على النظام وجنده الذي ظن أنهم يحمونه ويثبتون نظامه ( وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ) (يونس:84) .
وقال لقومه ماذا يفعلون في هذه الأزمة: ( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ) (الأعراف:128) .
وصحح لهم المفاهيم التي ينبغي أن تستقر في الوجدان: ( إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (الأعراف:128) .
فليس لهم إلا اللجوء إلى الله -تعالى-، والفرار إليه، والتوكل عليه مع يقينهم أن الله بيده مقاليد الأمور، وهو المتصرف -سبحانه- وحده في الأمور دون سواه، وأن الله كاف عبده.
الاستجابة الفورية مِن المؤمنين لتوجيهات موسى -عليه السلام- بلا تردد أو مناقشة: ( فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (يونس:85-86) .
العبودية المطلوب إظهارها عند هذه المحنة: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (يونس:87) .
التضرع واللجوء الدائم لله -تعالى- خاصة عند المحن: ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ ) (يونس:88) .
سبحان مجيب الدعاء.. ! الملك القدوس: ( قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (يونس:89) .
فقد استجاب الله لدعاء مَن دعاه واستغاثه وطلب العون من ربه، ولكن مع عدم الغفلة والتغافل عن المطلوب تحقيقه من أسباب من استقامة على منهج الله -تعالى- وأداء ما افترض الله علينا.
حان وقت التنفيذ: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ . فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) (الشعراء:52-56) .
فخرج فرعون وجنوده في جيش عظيم ونفير عام لم يتخلف في الخروج معه إلا من كان له عذر، ينظرون إلى موسى -عليه السلام- ومَن معه مِن المستضعفين نظرة ازدراء واستعلاء، فهم قلة قليلة بالنسبة لحشود فرعون ليس معهم سلاح يواجههون هذا الزحف الجرار، عزل لا حيلة لهم ( فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ . فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) (الشعراء:60-61) .
فأصحاب موسى -عليه السلام- لم يقولوا ذلك إلا مِن خلال الواقع المشهود فقد حصروا بين البحر وبين هذه الجيوش الجرارة التي لا قبل لهم لمقابلتها.
وقت المحن يظهر ما بداخلك مِن إيمان فالمحنة مظهرة لما عندك من إيمان: ( قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) (الشعراء:62) .
فالمؤمن في مثل هذه المواقف يتكلم بلغة الواثق في ربه وفي نصره، فلو اهتزت وتزعزعت وتزلزلت الجبال وتحركت مِن مكانها فقلب المؤمن يزداد بمثل هذه المواقف إيمانًا وتسليمًا لربه العلي القدير.
فيأتي الفرج من السماء: ( فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ . وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ . وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الشعراء:63-68) .
فهذه نهاية الطغيان والطغاة: ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) (هود:102) .
وكان التمكين لمن آمن وعمل صالحًا: ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) (الأعراف:137) .
فقم أيها المسلم وانهض من سباتك ونومك وأدِ ما عليك مما افترضه الله -تعالى-؛ فلا مجال للهزيمة النفسية أو الانهزامية.
واعلم أن معك القوة التي لا تغلب ولا تقهر حتى لو كنتَ منفردًا: ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) (الطلاق:3) .